فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 1140

فإن قال قائل: فما أنكرت أن الأعمال ليست بإيمان، لأن فعل ما يجب منها لا ينفك عن كفره، وتركه لا يوقع في كفره.

فالواجبات من هذا الوجه كالمباحات فلما لم يكن فعل المباح إيمانًا، لم يكن فعل الواجب إيمانًا.

فالجواب: أن فعل المباح إرادة لوجه الله إيمان، وذلك كالكسب الذي يراد به إعانة العاجز، والتسحر لصيام الغد، وإتيان الأهل من غير حاجة إليه نظرًا لها، أو توقعًا لولد يعبد الله ويوحده، وكالإفطار عند مجيء الليل تحررًا من شبه الوصال.

وليس شيء من الطاعات إلا ويراد به وجه الله تعالى، فإذا قلنا: إن المباح الذي يراد به وجه الله تعالى، ففعله إيمان.

فقد سوينا بين الطاعات وبين ما يشبهها من المباحات، وسقط السؤال عنا لأنه لا يبقى وراء هذا الصنف من المباح إلا ما يراد به وجه الله، وليس ذلك لصفة الطاعات، فلا يلزمنا أن نسوي بينهما مع اختلافهما وتباينهما في المعنى والله أعلم.

وجواب آخر: وهو أن هذا الإعتلال لا يقوم به حجة، لأن معنانا في أن كل طاعة إيمان، إن الإيمان هو التصديق، والطاعة تصديق بالأمر وأمره ووعده ووعيده فكانت إيمانًا، فهذا مالا يتهيأ جحده ولا نفيه بالمقايسات، لأن كل ما ينصب منها، لنفى أن تكون كل طاعة إيمانًا، فإنما يرجع إلى نفي أن تكون كل طاعة تصديقًا، وما كان تصديقًا ضرورة، فنفي أن يكون تصديقًا بالمقايسة لا معنى لها.

وهو كمن ينفي أن يكون خبر يذكره خبرًا بعلة يعتل فلا يقبل منه، لأنه إذا كان الخبر مما يدخله الصدق والكذب، وكان ما يذكره قولًا يدخله الصدق والكذب، فقد وجب أن يكون خبرًا، وكل علة نفى بها أن يكون خبرًا فإنما ينفي أن يكون محتملًا للصدق والكذب، وذلك وصف ثابت له ضرورة فلا يلتفت إلى نفيها بالمقايسة، فلذلك هذا الإعتلال، وبالله التوفيق.

فصل: إن قال قائل: أخبرنا عن قولكم: إن الطاعات من الإيمان، ما الذي تستفيدون به إذا ثبت لكم، وأنتم لا تقولون إن ترك العمل الواجب كفر، ولا أن الفسوق خروج من الإيمان، وليس بدخول في الكفر، فما الذي يفيده ثبوت هذا الأصل على قولكم؟ وما الذي يجب به من الحكم عندكم؟

قيل: وبالله التوفيق ـ أول ما في هذا أن كل أصل وقع البحث عن حقيقته، فإنما ذلك لإدراكه على ما هو عليه، لا لما يرى أنه يتوصل منه إليه.

وقد أمرنا بالإيمان، ووجدنا الإيمان شعبًا منسوبة إليه، فلما نظرنا في أن تلك الشعب كلها إيمان، أو بعضها إيمان، وبعضها حقوق الإيمان من غير أن تكون إيمانًا نفسها.

تبين لنا بالدليل أن كلها إيمان، فوصفناها بذلك لنكون مخبرين عن الإيمان ما هو عليه، ومعتقدين إياه على وجهه وحقيقته ثم سواء استفدنا وراء ذلك فائدة أخرى أم لم نستفد، فقد أثرنا بالنظر اعتقاد الشيء على ما هو عليه، وحصلنا به على الغرض المطوب، وبالله التوفيق.

ثم إن هذا الأصل إذا ثبت تفرغ عنه أن الكفار مخاطبون بالشرائع كلها، ومخاطبون بالاعتقاد والإقرار.

لأن الطاعات كلها إذا كانت إيمانًا لم يجز أن يخاطبوا بشيء منها دون شيء مع اتساعهم لجميعها.

ولا يخرج على قول من لا يثبت الطاعات كلها إيمانًا، أن يكونوا مخاطبين بالأعمال إلا بعد أن يصح لهم الاعتقاد والإقرار، كما لا يطالب أحد بحق عقد من العقود ـ ما كان ـ إلا بعد أن يصح منه أصله، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت