فالتضاد بين الفريقين في أصل الجملة، ولأن الجن في الدنيا إنما كانوا يتعيشون بروائح الأطعمة دون أجسادها، فلذلك في الجنة يتنعمون بنسيم الجنة وطيب روائحها، وروائح الأطعمة والأشربة التي تكون فيها، فتكفيهم من المكان في الجنة مثل ما كان يكفيهم منه في الدنيا، فيكونون لاختبائهم عن الأبصار كالمعدومين، فنشبه أن يكون أفرادهم بالذكر بما لم يقع لهذين المعنيين أو لأحدهما والله أعلم.
فأما الذين يوردون النار من الجن، قد يجوز أن يكونوا أيضًا غير مرئيين للإنس، ولا تظهر لهم فيرونهم، {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} .
فكذلك أهل النار من الفريقين، وإن تخاصموا فذلك لا يقتضي أن يرى بعضهم بعضًا، والله أعلم.
وأما المحاسبة فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أن في الجنة يسألون، لأنه تعالى قال جزاءًا عما يقال لهم يوم القيامة يا معشر الجن والإنس: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى} .
وهذا سؤال، وإذا ثبت بعض السؤال ثبت كله، والله أعلم.
قيل له: أما كتبة أعمالهم فما يشبه أن تكون؟ لأن الملائكة هم الذين يكتبون أعمال الناس، ولو كتبت أعمال الملائكة لاحتاج كل ملك إلى كاتب أو اثنين، وذلك الكاتب إلى مثل ذلك إلى ما لا يتناهى.
والقول بذلك فاسد.
والمحاسبة أيضًا لا معنى لها، لأنهم لا يخلطون الحسنات بالسيئات، وما أكثر من لا يحاسب من بني آدم، فلا تكون الملائكة أولى ولا أدنى منزلة منهم.
وأما الإثابة فقد قيل: يرفع التكليف عنهم فيتنعمون بالراحة ويتلذذون بالخفض والدعة، وليسوا من أهل المطاعم والمشارب فيوردون موارد بني آدم من الجنة، ويحتمل أن يكون فد أوضع التكليف غيرهم نعمة أعدها الله لهم ولا تبلغها أفهامنا وعقولنا، فإنه تعالى يقول: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» .
وإذا جاز أن يعيد للناس مثل هذا الثواب المغيب، فأولى أن يكون ذلك للملائكة والله أعلم.
فصل: إن سأل سائل: عن قول الله عز وجل: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} فقال: التعارف بينهم يكون بالكلام.
وقد قال الله - عز وجل - في آية أخرى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} وفي آية ثالثة أنهم يقولون {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا} .
وهذا كلام وهو مضاد إليكم.
والتعارف تخاطب وهو مضاد للصم والبكم معًا.