وكذلك الصيام وغيره، ويشتركان في معصية فيكون ما يظهر من أفعالهما سواء، إلا أن عمل إحداهما يكون أكثر تبعة، وأظهر في ميزانه من الآخر، فقد قيل في قول الله عز وجل: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ} ، معنى إطلاعها على الأفئدة أن تؤلم كل أحد بقدر ما في قلبه من المعصية التي واقعها فصار معاقبًا عليها.
فإن محل الدواعي كلها هو القلب، والأفعال إجابة عن الأعضاء لتلك الدواعي مختلف مقاديرها وما يستحق بها بحسب اختلاف تلك الدواعي في أنفسها.
ألا ترى أن العبد قد يدعوه سيده خير فيجيبه إلا أن إجابته غير سيده لا يقع منه موقع إجابته سيده، فإنه إنما يجب سيده على أن ذلك واجب عليه لا يسعه خلافه ويجب غير سيده تبرعًا في الجملة، فبان بذلك أن أحكام الأفعال مأخوذة من دواعيها، وهي كذلك يكون في الآخرة والله أعلم.
فقد قال الله عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} .
وقال: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} .
وقال: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} .
وقال: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} .
وقال: ما الفرق بين ما سماها الله تعالى كبائر وما سماها فواحش، وما يجوز أن يقال لها صغائر؟.
فالجواب: أنه ما من ذنب إلا وفيه صغيرة وكبيرة، فقد تنقلب الصغيرة كبيرة بقرينة تنضم إليها وتنقلب الكبيرة فاحشة بانضمام قرينة إليها إلا الكفر بالله عز وجل، فإنه أفحش الكبائر وليس من نوعه صغيرة، فأما ما عداه فالأمر فيه ما ذكرته.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه سئل عن الكبائر، فذكر الشرك بالله جل ثناؤه، وقتل النفس بغير حق والزنا بحليلة الجار، وقذف المحصنات والفرار من الزحف وعقوق الوالدين والسرقة، وقد قال الله جل ثناؤه: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} .