من عارضت فكره شوائب الهموم لا يسلم له رأي ولا يستقيم له خاطر. وقد قيل في منثور الحكم: كل شيء يحتاج إلى العقل والعقل يحتاج إلى التجارب. وكان كسرى إذا دهمه أمر بعث إلى مرازبته فاستشارهم فإن قصروا في الرأي ضرب قهارمته وقال: أبطأتم بأرزاقهم فأخطأوا في آرائهم.
وقال صالح بن عبد القدّوس:
ولا مشير كذى نصح ومقدرة ... في مشك الأمر فاختر ذاك منتصحا
والخصلة الخامسة- أن لا يكون له في الأمر المستشار غرض يتابعه ولا هوى يساعده فإن الأغراض جاذبة والهوى صادّ والرأي إذا عارضه الهوى وجاذبته الأغراض فسد. وقد قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:
وقد يحكم الأيام من كان جاهلا ... ويردي الهوى ذا الرأي وهو لبيب
ويحمد في الأمر الفتى وهو مخطىء ... ويعذل في الإحسان وهو مصيب
فإذا استكملت هذه الخصال الخمس في رجل كان أهلا للمشورة ومعدنا للرأي فلا تعدل عن استشارته اعتمادا على ما تتوهمه من فضل رأيك وثقة بما تستشعره من صحة رويتك فإن رأي غير ذي الحاجة أسلم وهو من الصواب أقرب لخلوص الفكر وخلوّ الخاطر مع عدم الهوى وارتفاع الشهوة.
وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «رأس العقل بعد الإيمان باللّه التودّد إلى الناس وما استغنى مستبدّ برأيه وما هلك أحد عن مشورة فإذا أراد اللّه بعبد هلكة كان أوّل ما يهلكه رأيه» . وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: الإستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه. وقال لقمان الحكيم لابنه: شاور من جرّب الأمور فإنه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء وأنت تأخذه مجانا. وقال بعض الحكماء: نصف رأيك مع أخيك