ومن أجل ذلك قيل: لا تؤاخ شاعرا فإنه يمدحك بثمن ويهجوك مجانا.
ولا ستكفاف السفهاء بالافضال شرطان: أحدهما أن يخفيه حتى لا تنتشر فيه مطامع السفهاء فيتوصلوا إلى اجتذابه بسبه وإلى ماله بثلبه
والثاني أن يتطلب له في المجاملة وجها ويجعله في الإفضال عليه سببا لئلا يرى أنه على السفه واستدامة البذاء. واعلم أنك ما حييت ملحوظ المحاسن محفوظ المساوىء ثم من بعد ذلك حديث منتشر لا يراقبك صديق ولا يحامي عنك شقيق فكن أحسن حديث ينشر يكن سعيك في الناس مشكورا وأجرك عند اللّه مذخورا. فقد روى زياد بن
الجراح عن عمر بن ميمون أنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إغتنم
خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك» فهذا ما اقتضاه هذه الفصل من شروط المروءة وإن كان كل كتابنا هذا من شروطها وما اتصل بحقوقها واللّه سبحانه وتعالى أعلم.
إعلم أن الآداب مع اختلافها بتنقل الأحوال وتغير العادات لا يمكن استيعابها ولا يقدر على حصرها وإنما يذكر كل إنسان ما بلغه الوسع من آداب زمانه واستحسن بالعرف من عادات دهره ولو أمكن ذلك لكان الأوّل قد أغنى الثاني عنها والمتقدم قد كفى المتأخر تكلفها وإنما حظ الأخير أن نتعانى حفظ الشارد وجمع المفترق ثم بعرض ما تقدم على حكم زمانه وعادات وقته فيثبت ما كان موافقا وينفي ما كان مخالفا ثم يستمدّ خاطره في استنباط زيادة واستخراج فائدة فإن أسعف بشيء فاز بدركه وحظي بفضيلته ثم يعبر عن ذلك كله بما كان مألوفا من كلام الوقت وعرف أهله فإن لأهل كل وقت في الكلام عادة تؤلف وعبارة تعرف ليكون أوقع في النفوس وأسبق إلى الأفهام ثم يرتب ذلك على أوائله ومقدماته ويثبته على أصوله وقواعده حسب ما يقتضيه الجنس فإن لكل نوع