الساعي الذي يقع في الناس عند الأمراء سمي بذلك لأنه يأتي الرجل المتمكن عند الأمير فلا يزال يقع فيه حتى يقلعه. وقال بعض الحكماء:
الساعي بين منزلتين قبيحتين إما أن يكون صدق فقد خان الأمانة وإما أن يكون قد كذب فخالف المروءة. وقال بعض الحكماء: الصدق يزين كل أحد إلّا السعاة فإن الساعي أذم وآثم ما يكون إذا صدق. وقال بعض البلغاء: النميمة دناءة والسعاية رداءة وهما رأس الغدر وأساس الشر فتجنب سبلهما واجتنب أهلهما. ووقع الفضل بن سهل على قصة ساع سعى إليه:
نحن نرى قبول السعاية شرا منها لأن السعاية دلالة والقبول إجازة فاتقوا الساعي فإنه إن كان في سعايته صادقا كان في صدقه آثما إذ لم يحفظ الحرمة ويستر العورةأو قال الإسكندر لرجل سعى إليه برجل: أتحب أن نقبل منك ما تقول فيه على أن نقبل منه ما يقول فيك قال لا قال: فكف عن الشرّ يكف عنك الشر. وروي أن اللّه تعالى أوحى إلى موسى على نبينا وعليه السلام أن في بلدك ساعيا ولست أخبرك وهو في أرضك فقال: يا رب دلني عليه حتى أخرجه فقال: يا موسى أكره النميمة وأنم.
اعلم أن الحسد خلق ذميم مع إضراره بالبدن وإفساد للدين حتى لقد أمر اللّه بالإستعاذة من شره فقال تعالى: وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ
وناهيك بحال ذلك شرا. وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «ذب إليكم داء الأمم قبلكم البغضاء والحسد هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا أ لا أنبئكم بأمر إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» فأخبر صلّى اللّه عليه وسلّم بحال الحسد وأن التحابب ينفيه وأن السلام يبعث على التحابب فصار السلام إذن نافيا للحسد. وقد جاء كتاب اللّه تعالى بما يوافق هذا القول وقال اللّه تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
قال مجاهد: معناه أدفع بالسلام إساءة المسي ء. وقال الشاعر:
قد يلبث الناس حينا ليس بينهم ... ودّ فيزرعه التسليم واللطف