فشاوره ليكمل لك الرأي. وقال بعض الأدباء: من استغنى برأيه ضل ومن اكتفى بعقله زلّ. وقال بعض البلغاء: الخطأ مع الإسترشاد أحمد من الصواب مع الإستبداد. وقال الشاعر:
خليليّ ليس الرأي في صدر واحد ... أشيرا عليّ بالذي تريان
ولا ينبغي أن يتصوّر في نفسه أنه ان شاور في أمره ظهر للناس ضعف رأيه وفساد رويته حتى افتقر إلى رأي غيره فإن هذه معاذير النوكى وليس يراد الرأي للمباهاة به وإنما يراد للإنتفاع بنتيجته والتحرّز عن الخطأ عند زلله وكيف يكون عارا ما أدّى إلى صواب وصدّ عن خطأ. وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «لقحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أموركم بالمشاورة» . وقال بعض الحكماء: من كمال عقلك استظهارك على عقلك. وقال بعض البلغاء: إذا شكلت عليك الأمور وتغير لك الجمهور فارجع إلى رأي العقلاء وافزع إلى استشارة العلماء ولا تأنف من الاسترشاد ولا تستنكف من الاستمداد فلأن تسأل خير لك من أن تستبدّ وتندم. وينبغي أن تكثر من استشارة ذوي الألباب ولا سيما في الأمر الجليل فقلما يضل عن الجماعة رأي ويذهب عنهم صواب لأن إرسال الخواطر الثاقبة وإجالة الأفكار الصادقة لا يعزب عنها ممكن ولا يخفى عليها جائز. وقد قيل في منثور الحكم: من أكثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا وعند الخطأ عاذرا وإن كان الخطأ من الجماعة بعيدا. فإذا استشار الجماعة فقد اختلف أهل الراي في اجتماعهم عليه وانفراد كل واحد منهم به فمذهب الفرس أن الأولى اجتماعهم على الإرتياء وإجالة الفكر ليذكر كل واحد منهم ما قدحه خاطره وأنتجه فكره حتى إذا كان فيه قدح عورض أو توجه عليه ردّ