فعدة من روى هذه الحديث عن أبي إسحاق ثمانية عشر راويًا، كلهم متفقون على عدم ذكر هذه الزيادة في المتن، وإن اختلفوا في الإسناد، سوى ثلاثة؛ اختلف على اثنين منهم أصحابهما، أعنى الثوري وأبا الأحوص،وأكثر أصحابهما وأحفظهم على عدم ذكر هذه الزيادة،واختلفت النسخ عن الثالث أعني عمر بن عبيد في إثبات هذه الزيادة وعدم إثباتها عن بعض أصحابه عنه، بينما لم تختلف النسخ في عدم إثبات هذه الزيادة عن جل أصحابه وأحفظهم عنه.
رابعًا: أن من فضَّل في روايات هذا الحديث من الأئمة كأبي داود (56) ،والدارقطني (57) ،والطبراني (58) ، مع ما عرف عنهم من الاعتناء التام بذكر أوجه الاختلاف والزيادات في الروايات (59) ، لم يذكروا هذه الزيادة عن أحد من رواة هذه الحديث مع أنهم ذكروا روايات من رويت عنهم هذه الزيادة.
خامسًا: أن شعبة بن الحجاج كان ينكر هذا الحديث حديث أبي إسحاق أن يكون مرفوعًا،ولذلك لم يخرجه البخاري أصلًا ولم يخرجه مسلم عن طريق أبي إسحاق.
الحديث الثاني: حديث وائل بن حجر
روى هذا الحديث سلمة بن كهيل، وأختلف عنه فرواه سفيان (60) ، و العلاء بن صالح (61) ، ومحمد بن سلمة بن كهيل (62) ، عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قرأ فاتحة الكتاب جهر بآمين. قال: وسلم عن يمينه وعن يساره حتى رأيت بياض خده.
وخالفهم شعبة في الإسناد والمتن؛ فقال عن سلمة عن أبي العنبس عن علقمة عن وائل بن حجر عن النبي صلى الله عليه وسلم فلما قال:"ولا الضالين"قال:"آمين"فأخفى بها صوته، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى، وسلم عن يساره.
نصوص النقاد في بيان خطأ شعبة في هذه الرواية
وهكذا رواه جماعة عن شعبة (63) ، وهو المحفوظ عنه، ولذلك خطأه الحفاظ؛ فقال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل في هذا الباب أصح من حديث شعبة، وشعبة أخطأ في هذا الحديث في مواضع؛ قال:"عن سلمة بن كهيل عن حجر أبي العنبس"، وإنما هو"حجر بن عنبس"، وكنيته: أبو السكن. وزاد فيه:"عن علقمة بن وائل"، وإنما هو:"حجر بن عنبس عن وائل بن حجر"، ليس فيه"علقمة"، وقال:"وخفض بها صوته"، والصحيح:"أنه جهر بها".
وسألت أبا زرعة؛ فقال: حديث سفيان أصح من حديث شعبة، وقد رواه العلاء بن صالح (64) ، وقال مسلم:"أخطأ شعبة في هذه الرواية، حين قال: وأخفى صوته" (65) .
وقال الدراقطني:"كذا قال شعبة: وأخفى بها صوته، ويقال: إنه وهم فيه لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة، فقالوا: ورفع صوته بآمين" (66) .
رواية موسى بن قيس عن سلمة بن كهيل
ورواه موسى بن قيس الحضرمي عن سلمة بن كهيل عن علقمة بن وائل عن أبيه، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله" (67) ؛ فخالف موسى بن قيس الجميع في هذا الإسناد، حيث أسقط حُجرًا، وجعل مكانه"علقمة"وفسر السلام، وزاد فيه: لفظة"وبركاته"."
قال الطبراني - بعد أن أورد الحديث في ترجمة حجر بن عنبس عن وائل:-"هكذا رواه موسى بن قيس عن سلمة قال عن علقمة بن وائل وزاد في السلام"وبركاته (68) "."
وقد ذكر العقيلي عددًا من الأحاديث لموسى بن قيس، ليس هذا الحديث من ضمنها ثم قال:"هذه الأحاديث من أحسن ما يروي عصفور،وهو يحدث بأحاديث رديئة بواطيل" (69) ، فلعل هذا من الأحاديث التي أخطأ فيها.
الراجح في حديث وائل بن حجر عدم ذكر"وبركاته"
وعلى هذا فإن كلمة"وبركاته"لا تصح من حديث وائل بن حجر أيضًا لما يأتي:
أولًا: أن موسى بن قيس أخطأ في إسناد هذا الحديث،وهذا قرينة على عدم الثقة بما ينفرد به من الزيادة في المتن، وظني أنه أختلط عليه حديث حجر بن عنبس هذا بحديث علقمة عن أبيه قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله" (70) ، فلعل موسى بن قيس تداخل عليه إسناد هذا الحديث وتوهم أنه لمتن حديث حجر، وزاد على سبيل التوهم في السلام لفظة:"وبركاته".