ثانيًا: أنه لم يتابع على هذه الرواية من أحد أصحاب سلمة بن كهيل، وفيهم الحفاظ المتقنون؛ كالثوري وغيره.
ثالثًا: أن الحديث قد روي من وجه أخر عن وائل بن حجر بدون هذه الزيادة؛ فقد رواه شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا البختري يحدث عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل الحضرمي قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يسلم عن يمينه وعن شماله (71) .
رابعًا: أن موسى بن قيس وإن كان ثقة فليس ممن يقبل تفرده بالزيادة عن سلمة بن كهيل دون الأجلة من أصحابه ممن روى الحديث عنه.
زيادة الثقة في هذا الحديث
فإن قيل هذه زيادة من ثقة فهي مقبولة، كما قال صاحب عون المعبود؛ إذ قال:"ومع صحة إسناد حديث وائل - كما قال الحافظ في بلوغ المرام - يتعين قبول زيادته؛ إذ هي زيادة عدل، وعدم ذكرها في رواية غيره ليست رواية لعدمها،وقد عرفت أن الوارد زيادة"وبركاته"، وقد صحت، ولا عذر عن القول بها" (72) . فالجواب أن يقال: أن الزيادة في حديث ما - قوانين مطردة - أشبه بالمسائل الفقهية البحتة،بينما ليس لأهل الحديث فيها حكم كلي، بل عملهم في ذلك دائر مع القرائن في كل حديث حديث (73) .
ولذلك قال الترمذي:"ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث (74) "، وليست الغرابة تقدح بمجرد التفرد، بل بما يحف ذلك من القرائن أيضًا. ولذلك قال أبو داود:"فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم" (75) ، بينما يقبل تفرد مثل هؤلاء في بعض الأحيان بحسب القرائن حيث لم يقوّ جانب الرد على جانب القبول.
وأما إذا خلا المقام من المرجحات والقرائن، فإن النظر ينصب حينئذ إلى الترجيح بقوة الحفظ والإتقان، ويكون ذلك بمثابة القرينة، ولذلك قال ابن خزيمة:"لسنا ندفع أن تكون الزيادة مقبولة من الحفاظ، ولكنا نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان فروى حافظ عالم بالأخبار زيادة في خير قبلت زيادته، فإذا تواردت الأخبار، فزاد، وليس مثلهم في الحفظ، زيادة لم تكن الزيادة مقبولة" (76)
وعليه فلا يصح جعل هذه الرواية - التي تبين بالقرائن المتقدمة أن راويها خلّط في إسنادها ومتنها - من قبيل زيادة الثقة المقبولة بحال، والله تعالى أعلم. وفي ضوء ما تقدم يتبين أن من صحح حديث ابن مسعود أو حديث وائل بهذه الزيادة فقد تساهل في ذلك (77) ، والله تعالى أعلم.
تنبيه:
ذكر الشيخ الألباني رحمة الله عليه زيادة"وبركاته"في صفة الصلاة له، وعزى حديثها لأبي داود وابن خزيمة ثم قال:"وصححه عبد الحق في أحكامه،وكذا النووي والحافظ ابن حجر ورواه عبد الرزاق في مصنفه (2/ 219) ".
قال مقيده عفا الله عنه: في كلامه (رحمة الله عليه) نظر من وجوه:
الأول: أنه عزى هذ ه الزيادة إلى أبي داود وابن خزيمة، فهذا العزو يوهم ورودها في حديث واحد عندهما، مع أنهما حديثان ثم رتب على ذلك ما ذكر من التصحيح عمن ذكرهم،وهذا يقتضي أنهم صححوا الحديثين معًا، وهذا خلاف الواقع، فإن حديث ابن خزيمة لم يصححه أحد من هؤلاء.
الثاني: أن النووي قد حكم برد هذه الزيادة في الأذكار، وأنها لم تجئ إلا في رواية لأبي داود، يعني رواية وائل بن حجر (78) ، فلعله حصل لبس في العزو من جهة أن بعض الشافعية يرى هذه الزيادة ويصحح الحديث فيها،والله أعلم.
الثالث: أنه عزى الحديث لعبد الرزاق في المصنف، برقم (2/ 219) ، وليس الحديث فيه مسندًا،والذي سبب هذا الخطأ أن عبد الرزاق ذكر حديث أبي الضحى في التسليم عن مسروق عن عبد الله مرفوعًا، دون ذكر زيادة"وبركاته"، ثم ذكر بعده حديثًا موقوفًا على ابن مسعود، فيه ذكر هذه الزيادة معقبًا عليه بقوله:"أظنه لم يتابعه عليه أحد"، ثم أسند حديثًا عن معمر والثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله مرفوعًا ولم يذكر لفظه بل قال:"مثل أبي الضحى"، فظن الشيخ الألباني (رحمة الله عليه) أن حديث أبي الضحى هو السابق على هذا مباشرة لأن هذا هو الكثير من صنيع أهل الحديث أنهم يحيلون لفظ بعض الروايات على ما يسبقها مباشرة إذا اتحد اللفظ أو المعنى، فعزى الشيخ الرواية مرفوعة بزيادة"وبركاته"لعبد الرزاق،والله أعلم.
الحواشي: