ـ [صلاح الزيات] ــــــــ [18 - 02 - 10, 06:47 م] ـ
جرى استعمال هذا المصطلح كثيرًا عند الإمام ابن حبان رحمه الله تعالى، ووظفه لبيان جوانب في أحوال الرواة مفيد الوقوف عندها فيما أظن؛ وليكن منطلق بيان ذلك مما ذكره الإمام ابن حبان البستي في ترجمة علي بن المبارك الهنَائي في (مشاهير علماء الأمصار) فقال عنه: (من المتقنين، وأهل الفضل في الدِّين، ممن يُغرٍبُ فيُجوِّد) (1) .
فقوله هنا: (يُغْرِبُ) المراد به -والعلم عند الله تعالى- أنّه يتفرد، فالغريب -في الجملة- هو الفَرْد الذي لم يروه إلا واحد، سواء أكان فردًا بإطلاق، أم كان تفردًا نسبيًا.
وقد كان ابن حِبّان يعتني -عند الترجمة لأحد الرواة- بالإشارة إلى استقامة حديثه وموافقته للناس، أو ما يدل على خلاف ذلك؛ فيشير إلى ما له من تفرّدات ومخالفات، لأنّ بيان ذلك له أثر في معرفة مدى ضبط الراوي وإتقانه وحفظه، فالتفرّد مَظِنّة الخطأ، قال ابن حِبّان في الحارث بن مِسْكين: (تَفَقّدتُ حديثه على أنْ أرى فيه شيئًا يُغْرِبُ، فلم أرَهُ إلا مستقيم الحديث) (2) .
فكان ينبِّه إلى هذا؛ مع بيان كثرته وقلّته، ويتبعه -في كثيرٍ من الأحيان- بالإشارة إلى حاله فيما يتفرّد به، أَضَبَطَ أم لم يَضبط؟، وله في ذلك طرق؛ منها:
1 -أنْ يصف الراوي بالتفرّد والإغراب، ويحكم عليه مع ذلك بالضَّعف أو المخالفة.
قال في ترجمة سابق بن عبد الله البربري: (يُغرِب ويَهِم) (3) ، وقال في القاسم بن عبيد الله الأسدي: (يُغْرب ويخطىء) (4) ، وقال في أبي سليمان الكُرَيْزِي: (يُغرب ويُخالِف) (5) ، وقال عن إبراهيم بن الأشعث البخاري: (يُغْرِب ويَتفرّد ويخطىء ويخالِف) (6) .
2 -أنْ يصفه بالتفرّد، ويحكم عليه مع ذلك بالاستقامة والحفظ.
فيقول مثلًا كما في ترجمته لعبد الله بن شَوْذَب: (وكان متيقّظًا يُغرب) (7) ، وقال في حمدان بن ذي النّون: (مستقيمُ الحديث يُغرب) (8) ، وقال في حصين بن نمير: (من الأثبات في الروايات، وكان يُغرب) (9) ، وقال في داود بن حماد الجَرْمِي: (وكان صاحب حديث، حافظًا يُغرب) (10) .
ومن هنا وصف ابن حبان"علي بن المبارك الهنائي"بقوله: (ممن يُغرِبُ فيُجَوِّد) ، فوصفه بالإغراب؛ ثم عطف عليه بالفاء وصفًا آخر: (فيُجَوِّد) ، فدل على أنه أراد -والله أعلم- أنّ علي بن المبارك كان حافظًا ضابطًا، ليس تفرّده ناشئًا عن وَهَم أو غلط.
ومما يقوي هذا أنَّ ابن حبان لما ترجم لعلي بن المبارك -نفسه- في الثقات قال عنه: (وكان متقنًا ضابطًا) (11) .
فبان بذلك شيء من الطريقة التي استعمل فيها هذا الإمام ذلك المصطلح، ووظفه فيها، والله أعلم.
ــــــــ
الهوامش:
1 -مشاهير علماء الأمصار 1/ 158.
2 -الثقات 8/ 289.
3 -مشاهير علماء الأمصار 1/ 185.
4 -الثقات 7/ 335.
5 -الثقات 8/ 235.
6 -الثقات 8/ 66.
7 -مشاهير علماء الأمصار 1/ 181.
8 -الثقات 8/ 220.
9 -مشاهير علماء الأمصار 1/ 178.
10 -الثقات 8/ 236.
11 -انظر كتاب الثقات: 7/ 213.
ـ [صلاح الزيات] ــــــــ [20 - 02 - 10, 05:59 ص] ـ
وَوَصْفُ الإمام ابن حبان البستي -وغيره- للراوي بالتفرّد؛ أو وصف حديثه بالغرابة؛ ليس قدحًا فيمن وصف بذلك على وجه الإطلاق، فإنّ التفرّد بالرواية يَعْرِض من الثقة الضابط، ويَعْرِض ممن هو دون ذلك على اختلاف مراتب الرواة حفظًا وضبطًا وإتقانًا.
ولأجل هذا المعنى كان تفرُّد الرواة له أسباب، منها:
1 -سعة الرواية، وكثرة الحفظ واستيعاب ماعند الشيوخ.
ومن هذا الباب قول ابن حبان البُسْتي في حَرْمَلَة بن يحيى التُّجِيْبِي: (ثقة، يُغرب لكثرة روايته) (1) ، وقال أبو نعيم الأصبهاني في ترجمة محمد بن بكر بن إلياس الخوارزمي: (صاحب غرائب، كثير الحديث) (2) ، فجعلا سبب وقوع الغريب في روايتيهما: كثرة الحديث؛ وَوَفْرة المرويات.
فهذا: إنْ لم يَغْلِب ذلك على مرويّاته، وكان -مع ذلك- ثقة حافظًا: احتُمِل تفرّده وقُبِل، قال ابن عدي عن بقيّة بن الوليد الشامي: (ولبقية عن شعبة كتاب وفيه غرائب، وتلك الغرائب يَتَفرّد بها بقية عنه، وهي محتملة) (3) .
2 -ضعف الحفظ، وقلّة الضبط.
قال ابن حبان في يحيى بن محمد الجاري: (كان ممن يتفرّد بأشياء لا يُتابع عليها -على قلّة روايته- كأنه كان يَهِم كثيرًا) (4) ؛ فجعل سبب تفرّده هو: الوَهَم.