فهرس الكتاب

الصفحة 988 من 7603

بنفاذ البصيرة وتهذيب النَّفس وَتَحْقِيق الْحق وَالْعَمَل بِهِ والصد عَن اتِّبَاع الْهوى وَالْبَاطِل، فالحكيم من حَاز ذَلِك كُله. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: كل كلمة وعظتك أَو زجرتك أَو دعتك إِلَى مكرمَة أَو نهتك عَن قَبِيح فَهِيَ حِكْمَة. وَقيل: الْحِكْمَة الْمَانِعَة من الْجَهْل. وَقيل: هِيَ النُّبُوَّة. وَقيل: الْفَهم عَن اتعالى. وَقَالَ ابْن سَيّده: الْقُرْآن كفى بِهِ حِكْمَة لِأَن الْأمة صَارَت عُلَمَاء بعد الْجَهْل. وَفِي (التَّوْضِيح) ، وَفِي هَذَا الحَدِيث دلَالَة صَرِيحَة أَن شرح صَدره كَانَ لَيْلَة الْمِعْرَاج، وَفعل بِهِ ذَلِك لزِيَادَة الطُّمَأْنِينَة لما يرى من عظم الملكوت، أَو لِأَنَّهُ يُصَلِّي بِالْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِم وَالسَّلَام.

قَوْله: (فأفرغه فِي صَدْرِي) أَي: أفرغ كل وَاحِد من الْحِكْمَة وَالْإِيمَان اللَّذين كَانَا فِي الطست فِي صَدْرِي. قَوْله: (ثمَّ أطبقه) أَي؛ ثمَّ أطبق صَدره، يُقَال: أطبقت الشَّيْء إِذا غطيته وَجَعَلته مطبقًا. وَفِي (التَّوْضِيح) : لما فعل بِهِ ذَلِك ختم عَلَيْهِ كَمَا يخْتم على الْوِعَاء المملوء، فَجمع اله أَجزَاء النُّبُوَّة وختمها، فَهُوَ خَاتم النَّبِيين، وَختم عَلَيْهِ فَلم يجد عدوه سَبِيلا إِلَيْهِ من أجل ذَلِك، لِأَن الشَّيْء الْمَخْتُوم محروس، وَقد جَاءَ أَنه استخرج مِنْهُ علقَة، وَقَالَ: هَذَا حَظّ الشَّيْطَان مِنْك، وَذكر عِيَاض أَن مَوضِع الْخَاتم إِنَّمَا هُوَ شقّ الْملكَيْنِ بَين كَتفيهِ، ذكره الْقُرْطُبِيّ. وَقَالَ: هَذِه غَفلَة، لِأَن الشق إِنَّمَا كَانَ وَلم يبلغ بِالسِّنِّ حَتَّى نفذ إِلَى ظَهره، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَالْبَزَّار وَغَيرهمَا من حَدِيث عُرْوَة عَن أبي ذَر، وَلم يسمع مِنْهُ فِي حَدِيث الْملكَيْنِ، قَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: اغسل بَطْنه غسل الْإِنَاء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثمَّ خاط بَطْني وَجعل الْخَاتم بَين كَتِفي كَمَا هُوَ الْآن، وَهَذَا دَال مَعَ حَدِيث البُخَارِيّ، كَمَا نبه عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيّ، وَأَنه فِي الصَّدْر دون الظّهْر، وَإِنَّمَا كَانَ الْخَاتم فِي ظَهره ليدل على ختم النُّبُوَّة بِهِ، وَأَنه لَا نَبِي بعده، وَكَانَ تَحت نغض كتفه لِأَن ذَلِك الْموضع مِنْهُ يوسوس الشَّيْطَان. قَوْله: (فعرج بِي) يَعْنِي: صعد، والعروج: الصعُود. يُقَال: عرج يعرج عروجًا من بَاب: نصر ينصر، وَقَالَ ابْن سَيّده: عرج فِي الشَّيْء وَعَلِيهِ يعرج وعرج يعرج عروجًا: رقي، وعرج الشَّيْء فَهُوَ عريج: ارْتَفع وَعلا، والمعراج شبه سلم مفعال من العروج، كَأَنَّهُ آلَة لَهُ. وَقَالَ ابْن سَيّده: الْمِعْرَاج شبه سلم تعرج عَلَيْهِ الْأَرْوَاح. وَقيل: هُوَ حَيْثُ تصعد أَعمال بني آدم. قَوْله: (إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا) وروى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) مَرْفُوعا: (بَين السَّمَاء وَالْأَرْض مسيرَة خَمْسمِائَة عَام) . وَذكر فِي كتاب (العظمة) لأبي سعيد أَحْمد بن مُحَمَّد بن زِيَاد الْأَعرَابِي: عَن عبد ا، قَالَ: (مَا بَين السَّمَاء إِلَى الأَرْض مسيرَة خَمْسمِائَة عَام، وَبَين السَّمَاء إِلَى السَّمَاء الَّتِي تَلِيهَا مثل ذَلِك، وَمَا بَين السَّمَاء السَّابِعَة إِلَى الْكُرْسِيّ كَذَلِك، وَالْمَاء على الْكُرْسِيّ، وَالْعرش على ذَلِك المَاء) . وَفِي كتاب (الْعَرْش) لأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي شيبَة، بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْعَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: (هَل تَدْرُونَ كم بَين السَّمَاء وَالْأَرْض؟ قُلْنَا؛ اورسوله أعلم. قَالَ: بَينهمَا خَمْسمِائَة عَام، وكثف كل سَمَاء خَمْسمِائَة سنة، وَفَوق السَّمَاء السَّابِعَة بَحر بَين أَسْفَله وَأَعلاهُ كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض) . وَرُوِيَ أَيْضا عَن أبي ذَر مَرْفُوعا مثله. قَوْله: (افْتَحْ) أَي: إفتح الْبَاب، وَهَذَا يدل على أَن الْبَاب كَانَ مغلقًا، وَالْحكمَة فِيهِ أَن السَّمَاء لم تفتح إلاَّ لأَجله، بِخِلَاف مَا لَو وجده مَفْتُوحًا، وَهَذَا يدل أَيْضا على أَن عروجه، كَانَ بجسده، إِذْ لَو لم يكن بجسده لما استفتح الْبَاب.

قَوْله: (قَالَ من هَذَا؟) أَي: قَالَ الخازن: من هَذَا الَّذِي يقرع الْبَاب؟ قَالَ: جِبْرِيل، وَفِيه إِثْبَات الاسْتِئْذَان، وَأَن يَقُول: فلَان، وَلَا يَقُول: أَنا، كَمَا نهي عَنهُ فِي حَدِيث جَابر. قَوْله: (أَسْوِدَة) جمع سَواد، كالأزمنة جمع زمَان، والسواد الشَّخْص، وَقيل: الْجَمَاعَات، وَسَوَاد النَّاس: عوامهم، وكل عدد كثير، وَيُقَال: هِيَ الْأَشْخَاص من كل شَيْء. قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ شخص كل شَيْء من مَتَاع أَو غَيره، وَالْجمع: أَسْوِدَة، وأساودة جمع الْجمع. قَوْله: (مرْحَبًا) مَعْنَاهُ أصبت رحبًا وسهلًا، فاستأنس وَلَا تستوحش. قَوْله؛ (بِالنَّبِيِّ الصَّالح) ، وَهُوَ الْقَائِم بِحُقُوق اوحقوق الْعباد، وَكلهمْ قَالُوا لَهُ: بِالنَّبِيِّ الصَّالح، لشُمُوله سَائِر الْخلال المحمودة الممدوحة من الصدْق وَالْأَمَانَة والعفاف وَالْفضل، وَلم يقل لَهُ أحد: مرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّادِق، وَلَا: بِالنَّبِيِّ الْأمين، لما ذكرنَا أَن الصّلاح شَامِل لسَائِر أَنْوَاع الْخَيْر. قَوْله: (نسم بنيه) النسم؛ بِفَتْح النُّون وَالسِّين، والنسمة: نفس الرّوح، و: مَا بهَا نسمَة أَي: نفس، وَالْجمع: نسم، قَالَه ابْن سَيّده. وَقَالَ الْخطابِيّ: هِيَ النَّفس، وَالْمرَاد أَرْوَاح بني آدم، وَقَالَ ابْن التِّين: ورويناه: نسيم بني آدم، وَالْأول أشبه. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: فِيهِ دلَالَة أَن نسم أهل النَّار فِي السَّمَاء ثمَّ قَالَ: قد جَاءَ أَن أَرْوَاح الْكفَّار فِي سِجِّين، وَأَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ منعمة فِي الْجنَّة، فَكيف تكون مجتمعة فِي السَّمَاء؟ وَأجَاب بِأَنَّهُ يحْتَمل أَنَّهَا تعرض على آدم أوقاتًا فصادف وَقت عرضهَا مُرُور النَّبِي. فَإِن قلت: لَا تفتح أَبْوَاب السَّمَاء لأرواح الْكفَّار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت