وهكذا حكم التكرير في قوله تعالى في سورة الرحمن: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} .
وذلك عند كل نعمة عددها على عباده.
وأمثال هذا في القرآن الكريم كثير.
ومما ورد من هذا النوع شعرا قول بعض شعراء الحماسة1:
إلى معدن العز المؤثل والندى ... هناك هناك الفضل والخلق الجزل2
فقوله:"هناك هناك"من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز؛ لأنه في معرض مدح، فهو يقرر في نفس السامع ما عند الممدوح من هذه الأوصاف المذكورة مشيرا إليها، كأنه قال: أدلكم على معدن كذا وكذا ومقره ومفاده.
وكذلك ورد قول المساور بن هند3:
جزى الله عني غالبا من عشيرة ... إذا حدثان الدهر نابت نوائبه4
1 نسبه أبو تمام إلى خلف بن خليفة مولى قيس بن ثعلبة، وهو شاعر إسلامي مجيد مقل عاصر جريرا والفرزدق، ويعرف بالأقطع؛ لأنه قطعت يده بسرقة اتهم بها.
2 رواية ديوان الحماسة 2/ 336"المؤيد"موضع"المؤثل"والبيت من جملة أبيات أولها:
عدلت إلى فخر العشيرة والهوى ... إليهم وفي تعداد مجدهم شغل
3 هو ابن قيس بن زهير بن حذيفة بن خزيمة بن روحة، هكذا قال التبريزي، وقال غيره: هو شاعر إسلامي مقل.
4 بعد هذين البيتين بيتان، وهما:
إذا قلت عودوا عاد كل شمردل ... أشم من الفتيان جزل مواهبه
إذا أخذت بزل المخاض سلاحها ... تجرد فيها متلف المال كاسبه
راجع ديوان الحماسة 2/ 291. ولم ينسب أبو تمام هذه الأبيات للمساور، ولكنه رواها بعد أبيات للمساور أولها:
فدا لبنى هند غداة دعوتهم ... يجو وبال النفس والأبوان
ثم روى بعد هذه الأبيات الأبيات الأربعة، ونسبها لآخر, ورواية الحماسة في البيت الأول
جزى الله خيرا غالبا ...