القول الثالث: جوازه إذا كان بقيمته أو أقل، وهي رواية عن أحمد [1] ، واختيار أبي العباس ابن تيميّة [2] .
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره» [3] .
وجه الدلالة: أن بيع المسلم فيه مِن صرفه إلى غير عقد السلم، أما إذا قبضه وتم عقد السلم جاز له ذلك؛ لأنه حينئذ لم يصرفه إلى غيره.
المناقشة: قال أبو العباس ابن تيمية: (عنه جوابان: أحدهما: أن الحديث ضعيف، والثاني: المراد به ألا يجعل السلف سلمًا في شيء آخر، فيكون معناه النهي عن بيعه بشيء معين إلى أجل، وهو من جنس بيع الدين بالدين؛ ولهذا قال: «لا يصرفه إلى غيره» أي لا يصرف المسلم فيه إلى مسلم فيه آخر) [4] .
الدليل الثاني: الإجماع، قال ابن قدامة: (أما بيع المسلم فيه قبل قبضه) يعني على غير المسلَم إليه (فلا نعلم في تحريمه خلافًا) [5] .
المناقشة: قال أبو العباس ابن تيميّة: (وأما ما ذكره الشيخ أبو محمد في مغنيه ... فقال - رحمه الله - بحسب ما علمه، وإلا فمذهب مالك أنه يجوز بيعه من غير المستسلِف كما يجوز عنده بيع سائر الديون من غير من هو عليه، وهذا أيضًا إحدى الروايتين عند أحمد) [6] وقال ابن قيم الجوزية:
(1) الإنصاف 12/ 292.
(2) مجموع الفتاوى 25/ 513، الإنصاف 12/ 292.
(3) رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب من أسلف في شيء ثم حوَّله إلى غيره (5/ 339) (ح 3468) ، وابن ماجه، أبواب التجارات، باب من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره (3/ 385) (ح 2283) ، والدارقطني، كتاب البيوع (2/ 640 - 641) (ح 2945) ، قال ابن حجر: (وفيه عطية بن سعد العوفي، وهو ضعيف، وأعله أبو حاتم والبيهقي وعبد الحق وابن القطان بالضعف والاضطراب) . وإنما أعله أبو حاتم بالوقف، وممن ضعفه المنذري وابن تيميّة وابن قيم الجوزية والألباني، وقال عنه الترمذي: (وهو حديث حسن) . علل الترمذي الكبير ص 195، كتاب العلل لابن أبي حاتم (ح 1158) ، مختصر السنن وتهذيب السنن 5/ 113،117، مجموع الفتاوى 29/ 519، التلخيص الحبير 4/ 1794، الإرواء 5/ 215، وجاء موقوفًا على ابن عمر - رضي الله عنهما -، كما سيأتي ضمن أدلة القول الثالث.
(4) مجموع الفتاوى 29/ 517،519، والجواب الثاني يؤيد القول الأول.
(5) المغني 6/ 415، الشرح الكبير 12/ 292 - 293، وينظر نهاية المطلب 6/ 21.
(6) مجموع الفتاوى 29/ 506، ثم قال ص 511: (ومالك استثنى الطعام؛ لأن من أصله أن بيع الطعام قبل قبضه لا يجوز، وهي رواية عن أحمد) .