اتفق أهل المذاهب الأربعة على جواز الاستصناع إذا توفرت فيه شروط السلم [1] ، واختلفوا فيما عدا ذلك على قولين:
القول الأول: جواز وصحة عقد الاستصناع، وهو مذهب الحنفية عدا زفر [2] وبعض الحنابلة [3] ، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدَّولي [4] .
القول الثاني: عدم جواز عقد الاستصناع وعدم صحته إذا لم تكتمل فيه شروط السلم، وهو مذهب المالكية [5] والشافعية [6] والحنابلة [7] وزفر من الحنفية [8] .
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: قول الله - سبحانه وتعالى: {قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} الكهف: (94) .
وجه الدلالة: أن أولئك القوم أرادوا أن يجمعوا لذي القرنين مالًا على أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدًا، وهذه حقيقة الاستصناع، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يَرِد شرعنا بنسخه [9] ، ولم يرد شرعنا بذلك، ولو كان غررًا لما أجابهم ذو القرنين لذلك [10] .
المناقشة: أن الاستصناع يشترط فيه أن تكون العين -محل الصنع- والعمل من الصانع، ومتى كانت العين من المستصنع فهي إجارة، وفي بناء ذي القرنين للسد كانت المواد وبعض
(1) بدائع الصنائع 5/ 5 - 6، فتح القدير 5/ 355، مواهب الجليل 6/ 517، حاشية الدسوقي 3/ 217، الأم 3/ 133، المهذب 13/ 220 - 221، الفروع 6/ 319، الإنصاف 11/ 105، وعليه فيكون إجماعًا؛ للإجماع على جواز السلم.
(2) الاختيار 2/ 38، تحفة الفقهاء 2/ 538، والمراجع السابقة للحنفية. فائدة: مذهب الفراء أن كلا من كلمتي (جواز) و (صحة) مضاف إلى (عقد) ، ولا حذف في الكلام ولا تقدير، ومذهب سيبويه أن ما أضيف إليه الثاني محذوف، ثم أقحم الثاني بين المضاف (جواز) والمضاف إليه (عقد) ، ومذهب المبرد وابن مالك أن المحذوف هو ما أضيف إليه الأول، ولا خلاف عندهم في جواز العطف قبل ذكر المضاف إليه في العربية. ينظر شرح ابن عقيل 3/ 78 - 81.
(3) الإنصاف 11/ 105.
(4) قرار مجمع الفقه الإسلامي، رقم 67 (7/ 3) ، عام 1412، فائدة: الأصل في النسبة أن تكون للمفرد، وعليه تُفتح الدال.
(5) مواهب الجليل 6/ 517، حاشية الدسوقي 3/ 217.
(6) الأم 3/ 133، المهذب 13/ 220 - 221.
(7) الفروع 6/ 319، الإنصاف 11/ 105.
(8) الاختيار 2/ 38، فتح القدير 5/ 355، وممن رأيته عزا المنع في عقد الاستصناع تصريحًا -لا بلفظ السلم في المصنوعات ونحوه- للأئمة الثلاثة وزفر: داماد أفندي الحنفي ت 1078 صاحب"مجمع الأنهر" (2/ 106) ، والاستصناع ليس من العقود المسماة عند غير الحنفية غالبًا، ويسمى بالسلم في المصنوعات.
(9) البحر المحيط 6/ 39 - 41، التحبير 8/ 3767 - 3787.
(10) بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة لمجموعة من الباحثين 1/ 228.