الأولى: التمييز بين العبادات والعادات، وكثيرًا ما ترى أن العبادات لها مثيل من العادات، مثال ذلك: الغسل، فيمكن للإنسان أن يدخل بأهله، أو يحتلم ليلًا فيغتسل لرفع الجنابة، وممكن إذا قام من الليل فوجد الحر شديدًا أن يغتسل، للتبرد، فأمكن أن يكون الغسل عبادة، وأن يكون عادة، فكل عبادة لها مثيلتها من العادات.
أيضًا: كالذي يشعر أن في معدته تعب، فيرى أن الصوم فيه صحة، فيمسك عن الطعام، ولا ينو الصوم، بل يمسك من أجل الاستشفاء، فهذه عادة، فالنية تميز العبادة من العادة، وإذا دخلت وأنت جنب فاغتسلت ولم تنو إلا التبرد، ثم خرجت فصليت العصر، فصلاتك باطلة؛ لأنك صليت وأنت جنب، فإن قال: كيف أكون جنبًا، وقد دخلت الآن أمامك، واغتسلت، وأفضت الماء على كل جسدي، والغسل معناه تعميم الجسد بالماء، وقد فعلت؟ قلنا: افتقر الأمر إلى نية الفعل، فلابد أن يصاحبه نية أن تستبيح الصلاة بنيتك، أو ترفع الجنابة، فلما اغتسلت تبردًا كأنك لم تفعل شيئًا.
ومن الأمثلة أيضًا: رجل دخل يصلي، وقال هذه رياضة أعظم ما تكون، فإن الركوع والرفع تضبط لي فقرات الظهر، والسجود والجلوس أيضًا رياضة عظيمة، فدخل يصلي متريضًا، فبعدما صلى قام رجل وقال: أنا أعرفك أنت الرياضي الفلاني، وأنت ما دخلت الصلاة إلا للتريض؛ فصلاتك باطلة، فقال: أنت لا تفقه شيئًا، فإني قد أتيت بالشروط، والأركان متوفرة، وتوضأت، وركعت وسجدت ورفعت، فتوفرت في صلاتي الشروط والأركان؛ فصحت فكان الذي يناظره فقيها، وقال: لكنك لم تفرق بين العبادة وبين العادة؛ لأنك لم تنو أن تصلي هذه الصلاة إلا مع قيامك بهذه الحركات.
الثانية: تمييز العبادات بعضها من بعض، بأن تكون فرضًا أو نفلًا، أو نذرًا، أو كفارة، مثاله: رجل قام يصلي صلاة الظهر، ونوي أنها من الفروض التي فرضها الله عليه، فتسقط عنه الفريضة، وقام يصلي العصر، فنوى أنها من الفرائض التي فرضها الله عليه فتسقط عنه، فلما قام يصلي المغرب قال هذه سنة نستن بها، فصلاها على أنها سنة ونافلة، فلا تسقط عنه صلاة المغرب؛ لأنه يميز بين النافلة وبين الفرض، والأمور بمقاصدها فإذًا: من التمييز بين العبادات بعضها من بعض: التمييز بين الفريضة وبين النافلة.
مثال آخر: رجل صام يوم الاثنين، وكان يعتاد الصوم جزاه الله خيرًا، ويرى أن النبي صلى الله عليه وسلم صام يوم الاثنين لأكثر من فائدة، منها: أن الأعمال ترفع منه، ومنها: أن الصوم ولأعدل له ومنها: الاحتفال بأن هذا مولد النبي صلى الله عليه وسلم، فهو يحتفل بالصوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم (لما سئل عن ذلك قال: ذلك يوم ولدت فيه) .
فصام الرجل هذا اليوم، وكان كثيرًا ما يصومه، لكنه في ذات مرة قال: نذر علي إن شفى الله ابني لأصومن يوم الاثنين، فهذا يعتبر نذرًا، والنذر ينزل منزلته، فقام من الليل وبعدما صلى صلاته من الليل نام حتى أصبح، ثم قام صائمًا كما كان يصوم كل اثنين، فعند الإفطار قال الحمد لله قد وفيت بنذري فيقال له: هذا الصيام وقع نفلًا وعليك أن تأتي بالفرض؛ لأنك لم تميز بين الفرض والنافلة.
فإذًا: النيات تميز بين العبادات بعضها من بعض، وتميز بين الكفارات والنذور والنوافل.
الثالثة: أنها تقلب العادات إلى عبادات، وكما قعد علماؤنا: بالنيات تنقلب العادات إلى عبادات، فالنوم مثلًا مباح، فللمسلم أن ينام، وليس شرطًا، أو لازمًا إلا إذا أشرف على الهلكة، فإذا احتسب نومه؛ ليقيم الليل، فكل ساعة وكل دقيقة وكل نفس يخرج منه ويدخل له، فيه الأجر؛ لأنه احتسبه، وقلبه من العادات إلى العبادات، ولذلك كان ابن مسعود يجعلها قاعدة عامة فكان يقول: (( والله! إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي ) ).
فكان ينام ليقيم الليل، وكان ينام ليستطيع أن يجاهد في سبيل الله، وكان ينام حتى يدرس دروس العلم، فقلب العادات إلى عبادات.
وأيضًا الأكل الكثير، مع أنه مذموم يمكن أن يكون ممدوحًا، فقد كان أمير المؤمنين في الحديث -أي: سفيان الثوري - يأكل كثيرًا، فلما عوتب على الأكل الكثير -والأكل الكثير مباح، فقلبه من العادات إلى العبادات أو قلبه من المباحات إلى العبادات- قال: آكل كثيرًا لأستطيع أن أعبد ربي، فالدابة إذا علفتها علفًا جيدًا ستعطيك وتثمر لك ما تريد، فقال: أنا أعلف نفسي كثيرًا لأستطيع أن أعطي لربي في العبادات، ولذلك كان يأكل خروفًا على العشاء مثلًا فيقيم الليل إلى الفجر.
وهذا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه ما كان يأكل الدباء مع أنه مباح، لكن: (لما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحفة، فكان يرى يد النبي صلى الله عليه وسلم تنتقل إلى الدباء، ويحبه فيأكله، قال: فمنذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحببت الدباء) .
فما رأى دباء إلا وجلس يأكل منها كما يأكل النبي صلى الله عليه وسلم، تعبدًا بذلك، أو للاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأكل الدباء عادة وليست عبادة، ففعلها وقلبها من العادة إلى العبادة، وأبو أيوب الأنصاري أو أبي بن كعب لما جلس مع النبي صلى الله عليه وسلم فوجده قدم له طعامًا فيه بصل مطبوخ، ويجوز للإنسان أن يأكله مطبوخًا، لكن ما أكله النبي صلى الله عليه وسلم وكف يده، فقال له أبي: (حرام؟ قال: لا، لكني أناجي من لا تناجي) .
فقال هذا الفقيه الأريب اللبيب: (والذي نفسي بيده! لآتسين برسول الله صلى الله عليه وسلم) ، فلم يأكل البصل مطبوخًا ولا غير مطبوخ تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلبها من المباح إلى العبادة.
إذًا: من ثمرات النية: قلب المباحات إلى عبادات.