أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) «1» .
وبالنسبة إلى أهل الوبر فإن جلّ انتفاعهم في معاشهم من الإبل، فتكون عنايتهم مصروفة إليها، وانتفاعهم منها لا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب وذلك بنزول المطر، فيكثر تقلب وجوههم في السماء. ثم لا بدّ لهم من مأوى يأويهم، ويحصن يتحصنون به، ولا شيء لهم في ذلك كالجبال، ثم لا غنى لهم لتعذر طول مكثهم في منزل عن التنقل من أرض إلى سواها، فإذا فتش البدوي في خياله وجد صورة هذه الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور» «2» .
وما كان هذا شأنه فإن الانقطاع لا يلائم مقتضياته البيانية والانفصال لا يستقيم له، فكان الاتصال سبيله فنا بلاغيا، لا قاعدة نحوية. ومن هنا ندرك ما استنبطه عبد القاهر في هذا المجال، إذ قسم الجمل على ثلاثة أضرب: جملة لا يستقيم معها عطف، وجملة حقها العطف، وجملة حقها ترك العطف «وترك العطف يكون: إما للاتصال إلى الغاية، أو الانفصال إلى الغاية والعطف لما هو واسطة بين الأمرين، وكان له حال بين حالين» «3» .
وأما الإيجاز والإطناب فهما مبحثان بلاغيان من خلال التماس روافدهما البيانية، لأن أثرهما الخارجي ينصب حول الشكل في النص الأدبي، في تأديته للمعنى المراد، إذ
يدور حول زيادة الألفاظ في الإطناب، واختزالها في الإيجاز، وهذان المدركان بطبيعتهما الاستعمالية بعيدان عن معاني الاعراب.
فالإيجاز كما حدده الرماني (ت: 386 هـ) : «تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى، وإذا كان المعنى يمكن أن يعبر عنه بألفاظ كثيرة ويمكن أن
(1) الغاشية: 17 - 20.
(2) القزويني، الإيضاح: 266.
(3) الجرجاني، دلائل الإعجاز: 163.