في مقاييسهم تقتضي أحقيتهم النبوة كما يتخيلون.
وهذا الأسلوب جار بما جرى عليه العرب في استعمالاتهم لأنه أبلغ من التصريح بلوغا للمراد، وتلطفا في الغاية.
وفي قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) «1» .
في هذه الآية دلالة خاصة حملها الزمخشري على التعريض فقال:
«وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة (عائشة وحفصة) وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما كرهه، وتحذيرهما على أغلظ وجه وأشده ... وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله، فإن ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين» «2» .
إن التعريض في القرآن الكريم أسلوب مشرق من الأساليب النيابية يحتمه الأدب القرآني، وتدعو إليه لغته المهذبة، تقويما للخلق، وصيانة للنفس الإنسانية من العبث والغيظ والإثارة المؤذية.
الصلة بين الكناية والرمز شبيهة بصلة الكناية بالتعريض فكلاهما ينبع من أصل واحد، وهو إرادة غير ظاهر المعنى، ودلالة اللفظ الأولية، فلقد استعمل الرمز عند العرب في موضع إشارة والتلميح حينا، وفي مجال الإيحاء والتأثير النفسي حينا آخر. وعلى هذا فالرمز عند العرب ما مثل أفكارا تؤثر في النفس، وتنطلق إلى الخارج بغير ألفاظها المعهودة، فاللفظ أداة لا تعبر عن المعنى المراد بدلالتها، وإنما يستفاد المعنى من تلويح وإشارة ذلك اللفظ.
وقد استعمل القدماء الرمز فعبروا عنه بالإشارة مرة، وباللمح مرة
(1) التحريم: 10.
(2) الزمخشري، الكشاف: 4/ 131.