يخرجه من البلاغة إفساد المتأخرين له، وإدخال مباحث المتكلمين فيه عند تعرضهم للفاعل الحقيقي «1» .
وتسميته بالمرسل نابعة من كونه غير مرتبط بقيود، فالإرسال في اللغة الإطلاق، وأرسله أطلقه، ولما كانت الاستعارة مقيدة بادعاء أن المشبه من جنس المشبه به، كان المجاز المرسل مطلقا من هذا القيد.
ولعل الإمام عبد القاهر الجرجاني (ت: 471 هـ) هو أول من تنبه إلى الفروق المميزة بين الاستعارة والمجاز المرسل في حديثه عن المجاز اللغوي حينما يقرن بالاستعارة، وتكون علاقته غير المشابهة «2» .
ويبدو أن السكاكي (626 هـ) أول من أطلق هذه التسمية عليه «3» .
وقد عرفه الخطيب القزويني (ت: 739 هـ) متابعا السكاكي بقوله:
«وهو ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع له ملابسة غير التشبيه، كاليد إذا استعملت في النعمة، لأن من شأنها أن تصدر عن الجارحة، ومنها تصل إلى المقصود بها، ويشترط أن يكون في الكلام إشارة إلى المولي لها، فلا يقال: اتّسعت اليد في البلد، أو اقتنيت يدا، كما يقال: اتّسعت النعمة في البلد، أو اقتنيت نعمة، وإنما يقال: جلت يده عندي، وكثرت أياديه لديّ ونحو ذلك» «4» .
وفي هذا التعريف والتنظير تبدو العلاقة بين الاستعمال الحقيقي والمعنى المجازي بالنسبة لليد، فهي وإن كانت جارحة لا تتصرف إلا بأمر من الإنسان، إلا أنها تستعمل فيما يصدر عنها من العطاء في مقام النعمة، والبطش في مقام القوة، والضرب عند الانتقام مثلا، وبها يتعلق الأخذ والعطاء، والمنع والدفع، والصد والرد، وكل صادر عنها بعلاقة هي غير
(1) ظ: أحمد مطلوب، فنون بلاغية: 109.
(2) ظ: عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة: 376.
(3) ظ: السكاكي، مفتاح العلوم: 195 وما بعدها.
(4) ظ: القزويني، الإيضاح: 270.