فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 137

إن الحفاظ على الكائن البشري على قيد الحياة هو سهل جدًا،هو فعل تفعله كل المخلوقات،لكن المشكلة الكبرى هي تحويل هذا العنصر البشري إلى عنصر فعال ونشيط.

إن مهمة الآباء والأبناء والأمهات تكاد تنحصر في هذا الزمن في المطعم والملبس،وإن كان هناك اهتمام فإنه يرضي غرور الأبوين،

ومما يزيد هذا الأمر خطورة:

أنَّ واقع أسرنا واقعٌ مأساوي في أغلبه إلا من رحم الله،"فالأب مشغول والأم في الأسواق" [1] ،والأولاد لا يُعرف لهم طريق ولا اتجاه،وقد أوكلنا تربيتهم إلى الظروف....

إن الإسلام أكد أن الآباء يلعبون دورًا مهمًا في التربية عندما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ،فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ،كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ،هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ » أخرجه البخاري [2]

(1) - محمد الدويش / محاضرات في التربية

(2) - برقم ( 1359) ومسلم برقم ( 6926)

قال النووي رحمه الله في شرحه على مسلم - (9 / 9) وعون المعبود - (10 / 231)

أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدّ بِهِ مِنْ عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا . وَتَوَقَّفَ فِيهِ بَعْض مَنْ لَا يُعْتَدّ بِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَة هَذَا، وَأَجَابَ الْعُلَمَاء بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ نَهَاهَا عَنْ الْمُسَارَعَة إِلَى الْقَطْع مِنْ غَيْر أَنْ يَكُون عِنْدهَا دَلِيل قَاطِع، كَمَا أَنْكَرَ عَلَى سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص فِي قَوْله: أَعْطِهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، قَالَ: أَوْ مُسْلِمًا الْحَدِيث . وَيَحْتَمِل أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ هَذَا قَبْل أَنْ يَعْلَم أَنَّ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة، فَلَمَّا عَلِمَ قَالَ ذَلِكَ فِي قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: ( مَا مِنْ مُسْلِم يَمُوت لَهُ ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْث إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة بِفَضْلِ رَحْمَته إِيَّاهُمْ ) وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث . وَاَللَّه أَعْلَم .

وَأَمَّا أَطْفَال الْمُشْرِكِينَ فَفِيهِمْ ثَلَاثَة مَذَاهِب . قَالَ الْأَكْثَرُونَ: هُمْ فِي النَّار تَبَعًا لِآبَائِهِمْ . وَتَوَقَّفَتْ طَائِفَة فِيهِمْ . وَالثَّالِث، وَهُوَ الصَّحِيح الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْجَنَّة، وَيُسْتَدَلّ لَهُ بِأَشْيَاء مِنْهَا حَدِيث إِبْرَاهِيم الْخَلِيل - صلى الله عليه وسلم - حِين رَآهُ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْجَنَّة، وَحَوْله أَوْلَاد النَّاس قَالُوا: يَا رَسُول اللَّه، وَأَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ:"وَأَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه . وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَث رَسُولًا } وَلَا يَتَوَجَّه عَلَى الْمَوْلُود التَّكْلِيف وَيَلْزَمهُ قَوْل الرَّسُول حَتَّى يَبْلُغ، وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .

وَأَمَّا الْفِطْرَة الْمَذْكُورَة فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: قِيلَ: هِيَ مَا أُخِذَ عَلَيْهِ . فِي أَصْلَاب آبَائِهِمْ، وَأَنَّ الْوِلَادَة تَقَع عَلَيْهَا حَتَّى يَحْصُل التَّغَيُّر بِالْأَبَوَيْنِ . وَقِيلَ: هِيَ مَا قُضِيَ عَلَيْهِ مِنْ سَعَادَة أَوْ شَقَاوَة يَصِير إِلَيْهَا . وَقِيلَ: هِيَ مَا هُيِّئَ لَهُ هَذَا كَلَام الْمَازِرِيُّ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْد: سَأَلْت مُحَمَّد بْن الْحَسَن عَنْ هَذَا الْحَدِيث، فَقَالَ: كَانَ هَذَا فِي أَوَّل الْإِسْلَام قَبْل أَنْ تَنْزِل الْفَرَائِض، وَقِيلَ الْأَمْر بِالْجِهَادِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْد كَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَد عَلَى الْفِطْرَة، ثُمَّ مَاتَ قَبْل أَنْ يُهَوِّدهُ أَبَوَاهُ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ لَمْ يَرِثهُمَا، وَلَمْ يَرِثَاهُ، لِأَنَّهُ مُسْلِم، وَهُمَا كَافِرَانِ، وَلَمَا جَازَ أَنْ يُسِيء فَلَمَّا فُرِضَتْ الْفَرَائِض، وَتَقَرَّرَتْ السُّنَن عَلَى خِلَاف ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ يُولَد عَلَى دِينهمَا . وَقَالَ اِبْن الْمُبَارَك: يُولَد عَلَى مَا يَصِير إِلَيْهِ مِنْ سَعَادَة أَوْ شَقَاوَة فَمَنْ عَلِمَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ يَصِير مُسْلِمًا وُلِدَ عَلَى فِطْرَة الْإِسْلَام، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَصِير كَافِرًا وُلِدَ عَلَى الْكُفْر . وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى مَعْرِفَة اللَّه تَعَالَى وَالْإِقْرَار بِهِ، فَلَيْسَ أَحَد يُولَد إِلَّا وَهُوَ يُقِرّ بِأَنَّ لَهُ صَانِعًا، وَإِنْ سَمَّاهُ بِغَيْرِ اِسْمه، أَوْ عَبْد مَعَهُ غَيْره وَالْأَصَحّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلّ مَوْلُود يُولَد مُتَهَيِّئًا لِلْإِسْلَامِ، فَمَنْ كَانَ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدهمَا مُسْلِمًا اِسْتَمَرَّ عَلَى الْإِسْلَام فِي أَحْكَام الْآخِرَة وَالدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمهمَا فِي أَحْكَام الدُّنْيَا، وَهَذَا مَعْنَى ( يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ ) ، أَيْ يَحْكُم لَهُ بِحُكْمِهِمَا فِي الدُّنْيَا . فَإِنْ بَلَغَ اِسْتَمَرَّ عَلَيْهِ حُكْم الْكُفْر وَدِينهمَا، فَإِنْ كَانَتْ سَبَقَتْ لَهُ سَعَادَة أَسْلَمَ، وَإِلَّا مَاتَ عَلَى كُفْره . وَإِنْ مَاتَ قَبْل بُلُوغه فَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة أَمْ النَّار أَمْ يَتَوَقَّف فِيهِ ؟ فَفِيهِ الْمَذَاهِب الثَّلَاثَة السَّابِقَة قَرِيبًا . الْأَصَحّ أَنَّهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة . وَالْجَوَاب عَنْ حَدِيث"اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ"أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُمْ فِي النَّار، وَحَقِيقَة لَفْظه: اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْ بَلَغُوا وَلَمْ يَبْلُغُوا إِذْ التَّكْلِيف لَا يَكُون إِلَّا بِالْبُلُوغِ . وَأَمَّا غُلَام الْخَضِر فَيَجِب تَأْوِيله قَطْعًا لِأَنَّ أَبَوَيْهِ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ، فَيَكُون هُوَ مُسْلِمًا، فَيَتَأَوَّل عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه أَعْلَم أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ لَكَانَ كَافِرًا، لَا أَنَّهُ كَافِر فِي الْحَال، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ فِي الْحَال أَحْكَام الْكُفَّار . وَاَللَّه أَعْلَم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت