فإذن الجهل بالكون يعني جهلنا بالحياة نفسها، كما أن معرفة أي جزء منه تستلزم معرفة شاملة بأسراره، مما يهيئ للإنسان فرصة التعلم، وهكذا يدخل دائرة التعلم اِنْ لم يكن مؤهلًا ليصبح من مبدعي العلماء، الأمر الذي يدفع به إلى روح عصره غير بعيد ولا منكفئ ولا هامشي على زمانه ووقته. ومع ذلك فإنه لا ينبغي أن يغيب عن بالنا بأن"العلم"إنما يأخذنا إلى ما هو نسبي وتقريبي من الأشياء، فمازال العلم حتى هذه الساعة عاجزًا عن اكتشاف أصول الأشياء وحقائق كنهها وماهياتها، وإن كانت له اليد الطولى في اكتشاف علائقها بعضها مع البعض الآخر، اذ لا يوجد في العلوم ما هو مطلق الصحة، ففي الكثير منها أجزاء افتراضية، حتى أن القوانين العلمية نفسها ليست من الحقائق المطلقة.. غير ان النفس البشرية تسلك بنا سبيل المطلق على الدوام، فهي تبحث وتفتش عن"المطلق"الذي يملؤّها عظمة وخشوعًا وجلالًا..
ولا يتصورنَّ أحد - كما ينبه النورسي - أن البحث عن المطلق وانبعاث الأشواق إليه، والتعلق به، من حيث كونه يشكل عنصرًا مهمًا من عناصر مكونات"وجدان المسلم"يعني الهروب من العقلي إلى"اللاعقلي"، أو الانسلاخ من المنطقي إلى"اللامنطقي"كما يريد أن يوهمنا بعض المحسوبين على العلم والعقل.
فما من حقيقة دينية - إذا ما فحصت جيدًا - إلاّ وتنطوي على عناصر عقلية، كما أن اشد الفلسفات عقلية تشتمل على كثير من العناصر الدينية إذا تعمقنا أصولها وأساسياتها. وفي الغالب ترى أنصار المذهب الوجداني يأتون بأدق البراهين العقلية كما هو مشاهد مثلًا عند"الغزالي"و"النورسي"وغيرهما.