فهرس الكتاب

الصفحة 613 من 1199

وقد يُحمل على أنَّه لو أراد تعذيبهم، لقدَّرَ لهم ما يعذِّبهم عليه، فيكون غيرَ ظالم لهم حينئذٍ.

وكونه خلق أفعال العباد وفيها الظلمُ لا يقتضي وصفَه بالظُّلم - سبحانه وتعالى -، كما أنَّه لا يُوصَفُ بسائر القبائح التي يفعلُها العبادُ، وهي خَلْقُه وتقديرُه [1] ، فإنَّه لا يُوصَفُ إلاَّ بأفعاله لا يُوصف بأفعال عباده، فإنَّ أفعالَ عباده مخلوقاتُه ومفعولاتُه، وهو لا يُوصَفُ بشيءٍ منها، إنَّما يوصَفُ بما قام به من صفاته وأفعاله! والله أعلم.

وقوله: (( وجعلتُه بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا ) )يعني: أنَّه تعالى حَرَّم الظلم على عباده، ونهاهم أنْ يتظالموا فيما بينهم، فحرامٌ على كلِّ عبدٍ أنْ يظلِمَ غيره، مع أنَّ الظُّلم في نفسه محرَّم مطلقًا، وهو نوعان:

أحدهما: ظلمُ النفسِ، وأعظمه الشِّرْكُ، كما قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [2] ، فإنَّ المشركَ جعل المخلوقَ في منزلةِ الخالق، فعبده وتألَّهه، فوضع الأشياءَ في غيرِ موضعها، وأكثر ما ذُكِرَ في القرآن مِنْ وعيد الظالمين إنَّما أُريد به المشركون، كما قال الله - عز وجل: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [3] ، ثمَّ يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائرَ وصغائرَ.

والثاني: ظلمُ العبدِ لغيره، وهو المذكورُ في هذا الحديث، وقد قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في خطبته في حجة الوداع: (( إنَّ دماءكم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكُم حرامٌ، كحرمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ) ) [4] .

(1) (( وتقديره ) )لم ترد في (ص) .

(2) لقمان: 13.

(3) البقرة: 254.

(4) أخرجه: ابن أبي شيبة (37164) ، وأحمد 5/37 و39 و49، والدارمي (1916) ، والبخاري 1/26 (67) و1/38 (105) و2/216 (1741) و5/224 (4406) و7/130 (5550) ، ومسلم 5/ 107 - 108 (1679) (29) و (30) و (31) ، والبزار (3617) ، وابن الجارود (833) ، والنسائي في"الكبرى" (4092)

و (4093) و (5850) من حديث أبي بكرة، به مرفوعًا. ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت