فكاك رقبتي، منهم عمرو بنُ عُتبة [1] ، وكان بعضُهم يسبِّحُ كلَّ يوم اثني عشر ألفَ تسبيحة بقدر دِيَتِه، كأنَّه قد قتل نفسه، فهو يَفْتَكُّها بديتها [2] .
قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير، يسعى في فكاك رقبته [3] ، لا يأمنُ شيئًا حتّى يلقى الله - عز وجل - [4] . وقال: ابنَ آدم، إنَّك تغدو أو تروحُ في طلب الأرباح، فليكن همُّك نفسك، فإنَّك لن تربح مثلها أبدًا.
قال أبو بكر بن عيّاش: قال لي رجل مرَّة وأنا شابٌّ: خلِّص رقبتَك ما استطعتَ في الدنيا من رقِّ الآخرة، فإنَّ أسيرَ الآخرةِ غيرُ مفكوكٍ أبدًا، قال: فوالله ما نسيتُها بعد [5] .
وكان بعضُ السَّلف يبكي، ويقول: ليس لي نفسان، إنَّما لي نفسٌ واحدةٌ، إذا ذهبت لم أجد أخرى.
وقال محمد بن الحنفية: إنَّ الله - عز وجل - جعل الجنَّة ثمنًا لأنفسكم، فلا تبيعُوها بغيرها [6] . وقال: من كرمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدر [7] . وقيل له: من
أعظمُ الناس قدرًا؟ قالَ: من لم يرَ الدُّنيا كُلَّها لنفسه خطرًا [8] .
وأنشد بعضُ المتقدمين:
أثامِن بالنفس النفيسةِ ربَّها ... ولَيسَ لها في الخلق كُلِّهم ثَمَنْ
بها تُملك الأخرى فإنْ أنا بِعتُهَا ... بشيءٍ من الدُّنيا، فذَاكَ هُوَ الغَبَنْ
لَئِنْ ذَهَبَتْ نفسي بدُنيا أُصيبُها ... لقَدْ ذَهَبَتْ نفسي وقد ذَهَبَ الثَّمنْ
(1) أخرجه: المزي في"تهذيب الكمال"5/440.
(2) ذكره الذهبي في"سير أعلام النبلاء"2/610.
(3) في (ص) : (( نفسه ) ).
(4) أخرجه: عبد الله بن المبارك في"الزهد" (307) ، وابن أبي شيبة (35208) .
(5) أخرجه: أبو نعيم في"حلية الأولياء"8/304، وذكره ابن الجوزي في"صفة الصفوة"3/164.
(6) أخرجه: أبو نعيم في"حلية الأولياء"3/177، وابن عساكر في"تاريخ دمشق"57/260.
وذكره ابن الجوزي في"صفة الصفوة"2/43، والذهبي في سير أعلام النبلاء 4/117.
(7) أخرجه: أبو نعيم في"حلية الأولياء"3/176، وابن عساكر في"تاريخ دمشق"57/260.
وذكره ابن الجوزي في"صفة الصفوة"2/43، والذهبي في"سير أعلام النبلاء"4/117. ...
(8) أخرجه: ابن عساكر في"تاريخ دمشق"57/260.