العباد، وقد قال -عز وجل-: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [1] . وقد فسرت الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود التوبة بالندم [2] ، ومنهم من فسَّرها بالعزم على أنْ لا يعود [3] ، وقد روي ذلك مرفوعًا من وجه فيه ضعفٌ [4] ،
لكن لا يعلم مخالفٌ من الصحابة في هذا، وكذلك التابعون ومَنْ بعدهم، كعمر بن عبد العزيز، والحسن وغيرهما.
وأما النصوص الكثيرة المتضمنة مغفرة الذنوب، وتكفير السيئات للمتقين، كقوله تعالى: إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ
لَكُمْ [5] ، وقوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [6] ، وقوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [7] ، فإنَّه لم يُبين في هذه الآيات خصال التقوى، ولا العمل الصالح، ومن جملة ذلك: التوبة النصوح، فمَنْ لم يتب، فهو ظالم، غيرُ متّقٍ.
وقد بين في سورة آل عمران خصالَ التقوى التي يغفر لأهلها ويدخلهم الجنَّة، فذكر منها الاستغفار، وعدم الإصرار، فلم يضمن تكفيرَ السيئات ومغفرة الذنوب إلاَّ لمن كان على هذه الصفة، والله أعلم.
ومما يُستدلُّ به على أنَّ الكبائر لا تُكَفَّرُ بدونِ التوبة منها، أو العقوبة عليها حديثُ عُبَادةَ بنِ الصامت، قال: كنَّا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( بايعوني على أنْ لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولاتزنوا ) )، وقرأ عليهم الآية (( فمن وفى منكم، فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فعُوقِبَ به، فهو كفَّارَةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فستره الله عليه، فهو إلى الله، إنْ شاء عذَّبه، وإنْ شاء غفر له ) )
(1) الحجرات: 11.
(2) انظر: زيادات نعيم بن حماد على كتاب"الزهد لعبد الله بن المبارك" (168)
و (169) ، وتفسير القرطبي 18/198.
(3) منهم: عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهم -.
انظر: تفسير الطبري (26697) و (26698) و (26699) .
(4) روي الحديث عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: (( التوبة من الذنب أن يتوب منه ثم لا يعود فيه ) ).
أخرجه: أحمد 1/446، وفي إسناده علي بن عاصم، وهو ضعيف. انظر: التاريخ الكبير 6/118 (2435) ، وإبراهيم الهجري ضعيف أيضًا.
وأخرجه: البيهقي في"شعب الإيمان" (7036) ، وفي إسناده بكر بن خنيس. قال
ابن معين: (( ليس بشيء ) )، وقال أبو زرعة: (( ذاهب الحديث ) ). انظر: تهذيب
الكمال 1/371 (731) ، وتهذيب التهذيب 1/440، وكذا في إسناده إبراهيم الهجري الضعيف.
(5) الأنفال: 29.
(6) التغابن: 9.
(7) الطلاق: 5.