وعن أبي الدرداء قال: تمامُ التقوى أنْ يتقي اللهَ العبدُ حتى يتقيه من مثقال
ذرَّةٍ، حتى يتركَ بعضَ ما يرى أنَّه حلالٌ خشيةَ أنْ يكون حرامًا يكون حجابًا بينه وبينَ الحرام [1] ، فإنَّ الله قد بَيَّن للعباد الذي يُصيرهم إليه فقال: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [2] ، فلا تحقرن شيئًا من الخير أنْ تفعله، ولا شيئًا من الشرِّ أنْ تتقيه.
وقال الحسنُ: ما زالت التقوى بالمتقين حتَّى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام [3] .
وقال الثوري: إنَّما سُمُّوا متقينَ؛ لأنَّهم اتقوا ما لا يُتقى [4] .
وقال موسى بنُ أَعْيَن: المتقون تنزَّهوا عن أشياء من الحلال مخافة أنْ يقعوا في الحرام، فسماهم الله متقين.
وقد سبق حديثُ: (( لا يَبلغُ العبدُ أنْ يكونَ من المتقين حتَّى يدعَ ما لا بأس
به حذرًا مما به بأس )) [5] . وحديث: (( من اتَّقى الشُّبُهاتِ استبرأ لِدينه
وعِرْضِه )) [6] .
وقال ميمونُ بنُ مِهران: المُتَّقي أشدُّ محاسبةً لنفسه من الشريكِ الشحيحِ لِشريكه [7] .
وقال ابن مسعود في قوله تعالى: {اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [8] ، قال: أنْ يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا ينسى، وأن يُشكر فلا يُكفر. وخرَّجه الحاكم مرفوعًا والموقوف أصحّ [9] ، وشكرُه يدخلُ فيه جميعُ فعل الطاعات.
ومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها.
(1) أخرجه: نعيم بن حماد في"زياداته على الزهد"لعبد الله بن المبارك (79) ، وابن أبي الدنيا كما في"الدر المنثور"1/58.
(2) الزلزلة: 7 - 8.
(3) أخرجه: ابن أبي الدنيا كما في"الدر المنثور"1/58.
(4) أخرجه: ابن أبي الدنيا كما في"الدر المنثور"1/58. ...
(5) أخرجه: عبد بن حميد (484) ، وابن ماجه (4215) ، والترمذي (2451) وقال
: (( هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ) ).
(6) جزء من حديث طويل. أخرجه: الحميدي (918) ، وأحمد 4/267 و269 و270 و271، والدارمي (2245) و (2534) ، والبخاري 1/20 (52) و3/9 (2051) ، ومسلم 5/50 (1599) (107) ، وابن ماجه (3984) ، والترمذي (1205) ، والنسائي 7/241 و8/327 وفي"الكبرى"، له (5219) و (6040) ، وابن
الجارود (555) ، والطحاوي في"شرح مشكل الآثار" (749) و (750)
و (751) و (752) ، وابن حبان (721) ، والطبراني في"الأوسط" (2285)
و (2493) ، والبيهقي في"شعب الإيمان" (5740) و (5741) وفي
"الآداب"، له (485) وفي"الزهد الكبير"، له (863) من طرق عن النعمان بن
بشير، به.
(7) أخرجه: أبو نعيم كما في"الدر المنثور"1/57.
(8) آل عمران: 102.
(9) أخرجه: الطبراني (8501) و (8502) ، والحاكم 2/294، ولم أقف فيه على المرفوع.