وقال الثوري في الرجل يجد في بيته الأفلُسَ أو الدَّراهِم: أحبُّ إليَّ أنْ يتنزَّه
عنها، يعني: إذا لم يدرِ من أين هي. وكان بعضُ السَّلف لا يأكلُ إلا شيئًا يعلمُ من أينَ هو، ويسأل عنه حتّى يقفَ على أصله. وقد رُويَ في ذلك [1] حديثٌ مرفوعٌ، إلا أنَّ فيه ضعفًا [2] .
وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( كالرَّاعي يرعى حولَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يرتَعَ فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حِمى، وإنَّ حِمى اللهِ محارمه ) ): هذا مَثَلٌ ضربه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لمن وقع في الشُّبهات، وأنَّه يقرُب وقوعه في الحرام المحض، وفي بعض الروايات أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال
(( وسأضرب لذلك مثلًا ) )، ثم ذكر هذا الكلامَ، فجعل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَ المحرمات كالحِمى الذي تحميه الملوكُ، ويمنعون غيرهم من قُربانه، وقد جعل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حول مدينته [3] اثني عشر ميلًا حمى محرَّمًا لا يُقطعُ شجرُه ولا يُصادُ صيدُه [4] ، وحمى عمرُ وعثمان أماكنَ ينبت فيها الكلأ لأجل إبل الصدقة [5] .
والله - عز وجل - حمى هذه المحرَّمات، ومنع عباده من قربانها وسمَّاها حدودَه، فقال:
{تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [6] ، وهذا فيه بيان أنَّه حدَّ لهم ما أحلَّ لهم وما حرَّم عليهم، فلا يقربوا الحرامَ، ولا يتعدَّوا
(1) سقطت من (ص) .
(2) لعله الحديث الذي أخرجه: ابن أبي الدنيا في"الورع" (115) ، والطبراني في"الكبير"25/ (428) ، والحاكم 4/125-126، وأبو نعيم في"الحلية"6/105 من حديث أم =
= ... عبد الله أخت شداد بن أوس، أنَّها بعثت إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بقدح لبن عند فطره وهو صائم، وذلك في طول النهار وشدة الحر، فرد إليها الرَّسول: (( أنى لك هذا اللبن؟ ) )قالت: من شاةٍ لي؛ فرد إليها رسولها: (( أنى لك هذا الشاة؟ ) )قالت: أشتريتها من مالي؛ فشرب، فلما كان من غد، أتت أم عبد الله النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله: بعثت إليك بذلك اللبن مرثية لك من طول النهار وشدة الحرِّ، فرددت فيه إليَّ الرسول! فقال النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم: (( بذلك أُمِرت الرسل قبلي، أنْ لا تأكل إلاّ طيبًا، ولا تعمل إلاّ صالحًا ) )بلفظ ابن أبي الدنيا.
ذكره الهيثمي في"المجمع"10/291 قال: (( وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف ) )، وقال الذهبي في"تلخيص المستدرك"4/126: (( ابن أبي مريم واهٍ ) ).
(3) عبارة: (( حول مدينته ) )سقطت من (ص) .
(4) أخرجه: أحمد 2/279، ومسلم 4/116 (1372) (472) من حديث أبي هريرة.
(5) أخرجه: البخاري 3/ 148 (2370) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أنَّ الصعب ابن جثامة، قال: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا حمى إلا لله ورسوله ) ). وقال بلغنا أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حمى النقيع، وأنَّ عمر حمى السرف والربذة.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (23193) من حديث ابن عمر: أنَّ عمر حمى الربذة لنعم الصدقة.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (37690) ، والبيهقي 6/147 من حديث أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري، قال: سمع عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنَّ وفد أهل مصر قد أقبلوا فاستقبلهم فلما سمعوا =
= ... به أقبلوا نحوه، قال: وكره أنْ يقدموا عليه بالمدينة فأتوه فقالوا له: ادع المصحف وافتح السابعة وكانوا يسمون سورة يونس السابعة فقرأها حتّى أتى على هذه الآية {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ} ، وقالوا له: قف. أرأيت ما حميت من الحمى، آلله أذن لك أم على الله تفترون؟ فقال: امضه، نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى، فإنَّ عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة، فزدت في الحمى لما زاد في الصدقة. بلفظ البيهقي.
(6) البقرة: 187.