ومن المتأخرين من رجَّح أنَّ الكتابة تكونُ في أوَّل الأربعين الثانية، كما دلَّ عليه حديث حذيفة بن أسيد، وقال: إنَّما أخر ذكرها في حديث ابن مسعود إلى ما بعد ذكر المضغة، وإنْ ذكرت بلفظ (( ثم ) )لئلا ينقطع ذكرُ الأطوار الثلاثة التي يتقلب فيها الجنين وهي كونه: نطفة وعلقة ومضغة، فإنَّ ذكر هذه الثلاثة على نسق واحد أعجبُ وأحسنُ، ولذلك أخَّر المعطوف عليها، وإنْ كان المعطوف [1] متقدمًا على بعضها في الترتيب [2] ، واستشهد لذلك بقوله تعالى: {وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [3] ، والمراد بالإنسان: آدم - عليه السلام - [4] ، ومعلومٌ أنَّ تسويته، ونفخ الرُّوح فيه، كان قبل [5] جعلِ نسلِهِ من سُلالة من ماء مهين، لكن لما كان المقصود ذكر قدرة الله - عز وجل - في مبدأ خلق آدم وخلق نسله، عطف أحدهما على الآخر، وأخَّر ذكرَ تسوية آدم ونفخ الرُّوح فيه، وإنْ [6] كان ذلك متوسطًا بين خلق آدم من طين وبين خلق نسله، والله أعلم.
وقد ورد أنَّ هذه الكتابة تكتب بين عيني الجنين، ففي"مسند البزار" [7] عن
ابن عمر رضي الله عنهما، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إذا خلَقَ الله النسمةَ، قال مَلَكُ
الأرحام: أي ربِّ أذكرٌ أم أنثى؟ قالَ: فيقْضِي الله إليه أمره، ثُمَّ يقول: أي ربِّ
أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيقضي الله إليه أمره، ثُمَّ يكتب بَيْنَ عينيه ما هوَ لاقٍ حتَّى النَّكبة يُنكَبُها )) .
وقد رُوي موقوفًا على ابن عمر [8] غير مرفوع، وحديثُ حذيفةَ بن أسيد المتقدم صريحٌ في أنَّ الملك يكتبُ ذلك في صحيفةٍ،
(1) سقطت من (ص) .
(2) (( في الترتيب ) )سقطت من (ص) .
(3) السجدة: 7-9.
(4) انظر: تفسير الطبري (21492) و (21493) ، وتفسير البغوي 3/595.
(5) سقطت من (ص) .
(6) من قوله: (( لما كان المقصود ذكر ... ) )إلى هنا سقط من (ص) .
(7) في"كشف الأستار" (2149) ، وسنده قويٌّ، وأخرجه أبو يعلى (5775) ، وابن حبان (6178) .
(8) في (ص) : (( وقد روي عن ابن عمر ) ).