وَقَدْ رَحَلَ جَابرُ بنُ عَبْدِ اللهِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بنِ أنِيسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - مَسِيْرَةَ شَهْرٍ في حَدِيْثٍ وَاحِدٍ [1] .
وإذ رحَلْتَ فاسْلُك مَا سلَكْتَهُ في مِصْرِكَ مِنَ الابتِداءِ بالأهمِّ فالأَهَمِّ، (ولا تَسَاهَلْ) - بفتحِ التَّاء - (حَمْلاَ) أي: ولا تَتَسَاهَلْ في التَّحَمُّلِ، وَالسَّمَاعِ، بِحَيْثُ تُخِلُّ بِمَا عَلِيْكَ. ولا تَشْتَغِلْ في الغربةِ إلا بِمَا تَسْتَحِقُّ لأجْلِهِ الرِّحْلَة، فشهوةُ السَّمَاعِ - كَمَا قَالَ الْخَطِيْبُ [2] - لا تَنْتَهِي، والنَّهْمَةُ من الطَّلَبِ لا تَنْقَضِي، والعِلْمُ كالْبِحَارِ الْمُتَعَذَّرِ كَيْلُهَا، والْمَعَادِنِ التِي لا يَنْقَطِعُ نَيْلُهَا [3] .
(واعملْ بِمَا تَسْمَعُ) بِمِصْرِكَ، وغيرِهَا مِنَ الأحَادِيْثِ التِي يُعْمَلُ بِهَا (في الفَضَائِلِ) والتَّرْغِيباتِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: (( يا رَسُوْلَ اللهِ! ما يَنْفِي عَنِّي حجَّةَ الْجَهْلِ؟ قَالَ: العِلْمُ. قَالَ: فَمَا يَنْفِي عَنِّي حجَّةَ العِلْم؟ قَالَ: العَمَلُ ) ) [4] .
وَقَالَ [5] إِبْرَاهِيْمُ بنُ إِسْمَاعِيْلُ بنِ مجمَّعٍ: (( كنَّا نَسْتَعِينُ عَلَى حِفْظِ الْحَدِيْثِ بالعَمَلِ بِهِ ) ) [6] .
وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: (( مَا كَتَبْتُ حَدِيْثًا إلاَّ وَقَدْ عَمِلْتُ بِهِ، حَتَّى مَرَّ بِي في الْحَدِيْثِ أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - احتَجَمَ، وأعْطَى أبَا طيبةَ دِيْنَارًا [7] ، فأعْطَيتُ الْحَجَّامَ دِيْنَارًا حِيْنَ احْتَجَمْتُ ) ) [8] .
(1) انظر: الرحلة في طلب الحديث: 104.
(2) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي 2/ 245 عقب (1740) .
(3) لم ترد في (ق) .
(4) أخرجه الخطيب في اقتضاء العلم العمل: 4 من حديث عليّ - رضي الله عنه -. وانظر: فتح الباري 1/ 180 و 7/ 41 و 12/ 393 و 417.
(5) في (م) و (ع) زيادة: (( الشعبي ووكيع و ) ).
(6) الجامع لأخلاق الرّاوي 2/ 259 (1789) .
(7) هذا الحديث اتفق على إخراجه الشيخان، البخاري 3/ 82 (2102) و 3/ 103 (2210) و 3/ 122 (2281) و 7/ 161 (5696) . ومسلم 5/ 39 (1577) . وهو في مسند أحمد 3/ 100 و 107 و 182، وانظر تخريجًا له موسعًا في كتاب"شمائل النبي - صلى الله عليه وسلم -"برقم (360) .
(8) أورده الذهبي في السّير 11/ 213 وصدّره بقوله: (( وقال المرّوذي: قال لي أحمد ... ) ).