فهرس الكتاب

الصفحة 642 من 15334

ونشأ من هذه الفكرة قانون أخلاقي مفصل رغم بساطته يدور كله حول القاعدة الذهبية وهي أن"الطبيعة لا تكون خيّرة إلا إذا منعت صاحبها أن يفعل بغيره ما ليس خيرًا له هو نفسه" [1] . وتقول الأبستاق أن على الإنسان واجبات ثلاثة."أن يجعل العدو صديقًا وأن يجعل الخبيث طيبًا، وأن يجعل الجاهل عالمًا" (76) . وأعظم الفضائل عنده هي التقوى، ويأتي بعدها مباشرة الشرف والأمانة عملًا وقولًا. وحرّم أخذ الربا من الفرس، ولكنه جعل الوفاء بالدين واجبًا يكاد أن يكون مقدسًا (77) . ورأس الخطايا كلها (في الشريعة الأبستاقية كما هي في الشريعة الموسوية) هو الكفر. ولنا أن نحكم من العقوبات الصارمة التي كانت توقع على الملحدين بأن الإلحاد كان له وجود بين الفرس، وكان المرتدون عن الدين يعاقبون بالإعدام من غير توان (78) . لكن ما أمر به السيد من إكرام ورحمة لم يكن يطبق من الوجهة العملية على الكفار، أي على الأجانب، لأن هؤلاء كانوا صنفًا منحطًا من الناس أظلهم أهورا- مزدا فلم يحبوا إلا بلادهم وحدها لكي لا يغزو بلاد الفرس، ويقول هيرودوت أن الفرس:"يرون أنهم خير الناس جميعًا من جميع الوجوه". وهم يعتقدون أن غيرهم من الأمم تدنوا من الكمال بقدر ما يقرب موقعها الجغرافي من بلاد فارس، وأن"شر الناس أبعدهم عنها" (79) . إن لهذه الألفاظ نغمة حديثة وإنها لتنطبق على جميع الأمم في هذه الأيام.

ولما كانت التقوى أعظم الفضائل على الإطلاق فإن أول ما يجب على الإنسان في هذه الحياة أن يعبد الله بالطهر والتضحية والصلاة. ولم تك فارس الزردشتية تسمح بإقامة الهياكل أو الأصنام، بل كانوا ينشئون المذابح المقدسة على قمم الجبال، وفي القصور، أو في قلب المدن، وكانوا يوقدون النار فوقها تكريمًا لأهورا- مزدا

(1) ولكن جاء في الآية السادسة من الفصل السادس والأربعين من كتاب يزنا:"خبيث من يسدي الخير للخبيث"إن الكتب الموحى بها قلما تتفق نصوصها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت