وأراد كبار الملاّك أن يغروا العمال الأحرار بالعودة إلى الأعمال الزراعية، فقسموا أملاكهم وحدات أجروها إلى"الزراع" ( Coloni) ، يتقاضون منهم أجورًا نقدية منخفضة أو عشر المحصول، وجزءًا من الوقت يقضونه في العمل من غير أجر في بيت الملك الريفي أو في أرضه الخاصة. وقد وجد الملاّك في كثير من الأحيان أن من مصلحتهم أن يعتقوا العبيد ويجعلوهم زراعًا من هذا النوع، وأخذ هؤلاء الملوك في القرن الثالث يزدادون رغبة في سكنى بيوتهم الريفية يدفعهم إلى هذا أخطار الغزو الأجنبي والثورات الداخلية في المُدن، وحصّنوا بيوتهم فاستحالت قلاعًا منيعة أصبحت بالتدريج قصور العصور الوسطى [1] .
وقوى نقص الأرقاء إلى وقت ما مركز العمال الأحرار في الصناعة وفي الزراعة على السواء. ولكن فقر الفقراء لم ينقص على حين أن موارد الأغنياء التهمتها الحروب ومطالب الحكومة (22) . وكانت الأجور وقتئذ تتراوح بين 6 و 11 في المائة من نظائرها في الولايات المتحدة الأمريكية أوائل القرن العشرين، وكانت الأثمان نحو ثلاثين في المائة من أثمان الولايات المتحدة في ذلك الوقت (23) . وكانت حرب الطبقات آخذة في الاشتداد لأن الجيش المجند من فقراء الأقاليم كثيرًا ما كان ينظم إلى مَن يهجمون أصحاب الثروة وكان يشعر بأن ما يؤديه للدولة من خدمات يبرر ما تفرضه عليهم ضرائب تبلغ حد مصادرة أموالهم لتعطي
(1) وأكبر الظن أن هذا النظام الزراعي الذي وصفناه في المتن قد بدأ على نطاق أوسع من هذا النظام حين اسكن أورليوس الأسرى الألمان في ضياع الإمبراطوريّة (172) ، وجعل هذه الضياع ملكًا لهم يتوارثونه، مشترطًا عليهم أن يؤدوا له ضريبة سنوية، وخدمة عسكرية إذا طلب إليهم أداءها، وأن يتعهدوا له بأن لا يغادروا هذه الأملاك من غير اذن الدولة. وفرضت هذه الشروط عينها على الجنود الرومان القدامى الذين أقطعوا أرضًا على الحدود وخاصة في (( الأراضي العشورية ) ) ( agri decumates) - على ضفاف الدانوب والرين (21) وانتشر هذا النظام انتشارًا واسعًا في عهد سبتميوس سفيرس، إذ قسم الأراضي التي استولى عليها أجزاء يزرعها مستأجرون يؤدون عنها ضرائب نقدًا أو عينًا. وحذا سبتميوس حذو البطالمة، وحذا الملاّك الأفراد حذوه، فبدأ هذا النظام الزراعي بالملوك، ونشأ عنه النظام الإقطاعي الذي قضى على الملكية.