وكان حُلمه السياسي المثالي هو توحيد أوروبا في فيدرالية واحدة أو جعل باريس عاصمة العالم التي تحكم القارات والدول من خلال علاقاتها الخارجية· وفي هذا الكيان الأوروبي المشترك تُلغي الحواجز السياسية وتُكفل حرية السفر والنقل والتجارة، ويتم توحيد العملة والموازين والمكاييل والمقاييس · وعندما وصل نابليون إلى موسكو في سنة 1812 ظن أن تحقيق سلام عادل - فقط - مع اسكندر هو الأمر الوحيد الباقي لتحقيق حلمه في توحيد أوروبا· لقد أساء نابليون تقدير القوى الطاردة المركزية الممثلة في الفروق بين الوطنيات المختلفة (الاختلاف بين الأمم) ، لكن ربما كان نابليون على حق في الاعتقاد في أن أوروبا إذا ما حقّقت الوحدة فلن يكون ذلك بالإقناع أو بالاحتكام إلى أحكام العقل وإنما رضوخا لقوة متفوقة تستمر طوال جيل· ومع هذا فقد تستمر الحرب، لكنها - على الأقل - ستصبح مدنية (أقرب ما تكون للمنافسة) ·
وكلما اقترب نابليون من نهايته راحت فكرة عجيبة تُلح عليه أكان حُر الإرادة مُبدعًا فيما أتاه أم أنه كان أداة لا حَوْل لها في يد قوى كونية معيّنة· ولم يكن نابليون قدريًا (جبريًا) ، ينزع من الإنسان قدرته على العمل الحر، والجبري هو ذلك الشخص الذي يعتقد أن نجاحه وفشله، وصحته ومرضه، وطبيعة حياته ولحظة مماته قد حدّدتها - سلفًا - قوى غير منظورة بصرف النظر عمَّا يختاره هو بإرادته، ولم يكن نابليون يؤمن بالحتمية على نحوٍ واضح، والحتمي هو الشخص الذي يعتقد أن كل ما يجري - بما في ذلك خياراته وأفكاره وأفعاله - إنما هو محكوم سلفًا بتوليفة من كل القوى أو العوامل بالإضافة لما حدث في الماضي (أحداث التاريخ) ،