وأرسل إليه شوازيل تصريحًا رسميًا بالسفر إلى أي بقعة يريدها في فرنسا، وبأن يبرحها ويعود إليها متى شاء (47) . وخطر لروسو الآن أن يعود إلى إنجلترا، فكتب إلى ديفنبورت يسأله أن كان يسمح له بأن يشغل ثانية بيت ووتن، وأجاب ديفنبورت بأنه يسمح بكل تأكيد.
ثم هرب روسو من تري في يونيو 1768 خوفًا على حياته فيها، وترك تريز في القصر الريفي ضمانًا لسلامتها. واستقل مركبة عامة إلى ليون، وأقام حينًا مع أقرباء دانيل روجن الذي كان قد وفر له الملجأ في 1762 في سويسرة. على أنه ما لبث أن اعتزل في فندق الجولدن فونتن في بورجوان- أن- دوفينه. وعلى باب حجرته كتب قائمة بالأشخاص الذين يعتقد أنهم يأتمرون به. ثم أرسل في طلب تريز، واستقبلها بالفرح والدموع، وقرر آخر الأمر أن يتزوجها. وقد تم هذا القران في حفل مدني بالفندق في 30 أغسطس 1768.
وفي يناير 1769 انتقلا إلى بيت بمزرعة في موكان، قرب جربنوتل. وهناك كتب آخر صفحات،"الاعترافات"، وهي صفحات نصف مجنونة، وراح يهدئ أعصابه بدراسة علم النبات. ووجدت تريز أن طبعه يزداد حدة، وكانت هي ذاتها تعاني من الروماتزم والأوصاب الغامضة التي تصاحب أحيانًا"تغيير المعيشة". وتشاجر الزوجان الحديثان مشاجرة بلغ من شدتها أن حملت روسو على الرحيل في رحلة طويلة لجمع النبات ودراسته بعد أن ترك لها خطابًا ينصحها بدخول الدير (12 أغسطس 1769) (48) . فلما عاد ووجدها تنتظره تجدد حبهما. وندم الآن على انه تخلص من أطفالها. وأحس"أن الرجل الذي يستطيع تربية أولاده تحت بصره رجل سعيد جدًا (49) . وكتب إلى أم شابة يقول: إن أجمل أسلوب في الحياة يمكن أن يوجد هو أسلوب الأسرة .. فما من شيء يندمج معنا بأشد وأثبت من أسرتنا وأبنائنا ... ولكن أنا الذي يتكلم على الأسرة والأبناء- ... سيدتي، أرثي لأولئك الذين يحرمهم قدرهم القاسي من هذه السعادة، أرثي لهم إن كانوا عاثري الحظ فقط، ومزيدًا من الرثاء لهم إن كانوا مذنبين!" (50) .