من الملل وحكمت عليها بأنها شريرة هالكة، وتنبأت صراحة بسقوط"بابل"- أي روما (84) . وقد عزا جبون قدرًا كبيرًا من هذا التعصب لأصل المسيحية اليهودية، وذهب مذهب تاسيتوس في التنديد باليهود في نقاط شتى في روايته. وحاول أن يفسر اضطهاد نيرون للمسيحيين على أنه في حقيقته اضطهاد لليهود (85) ، وليس لهذه النظرية اليوم مؤيد. وكان أكثر توفيقًا في اتباع رأي فولتير في إنقاص عدد المسيحيين الذين استشهدوا على يد الحكومة الرومانية، فلم يزيدوا في تقديره على الألفين على الأكثر، ووافق فولتير على أن"المسيحيين، على مدى خلافاتهم الداخلية (منذ قسطنطين) أوقعوا بعضهم ببعض من أعمال القسوة ما هو أفدح بكثير مما لا قوة من تعصب الكفار"، وأن"كنيسة روما دافعت بعنف عن الإمبراطورية التي اكتسبتها بالحيلة" (86) .
وقد أثار هذان الفصلان الختاميان (15 - 16) ردودًا كثيرة اتهمت جبون بعدم الدقة، أو التحيف، أو عدم الإخلاص. أما جبون ففي تجاهل مؤقت لنقاده سمح لنفسه بالاستمتاع بإجازة طويلة في باريس (مايو إلى نوفمبر 1777) . ودعته سوزان كورشو التي أصبحت زوجة جاك نكير المصرفي ووزير المالية إلى بيتهم. وكانت الآن في وضع مريح جدًا بحيث لم يسوءها ما سبق من أنه"تنهد تتنهد العاشق، وأطاع طاعة الابن". أما المسيو نكير، الذي لم تخالجه الغيرة قط، فكثيرًا ما كان يترك العاشقين السابقين وحيدين ويمضي إلى عمله أو فراشه. وشكا جبون قائلًا"أيمكن أن يهيناني إهانة أقسى من هذه؟ يا لها من طمأنينة وقحة!"أما جرمين، ابنة سوزان، (وهي التي أصبحت فيما بعد مدام دستال (فقد طابت لها صحبته حتى لقد جربت ألاعيبها المنفتحة عليه(وهي بعد في الحادية عشرة) وعرضت أن تتزوجه حتى تحتفظ به في الأسرة (87) . وفي بيت نكير التقى بالإمبراطور يوزف الثاني، وفي فرساي قدم إلى لويس السادس عشر، الذي قيل إنه شارك في ترجمة المجلد الأول إلى الفرنسية. واحتفى به القوم في الصالونات لا سيما صالون المركيزة دودفان، التي وجدته"لطيفًا مؤدبًا ... أرقى من جميع الأشخاص الذين عاشوا معهم تقريبًا"، ولكنها