من الناس عرفوا أن دي هولباخ هو المؤلف وأنهم كتموا السر لمدة عشرين عامًا. وظلت الندوة تعقد الاجتماعات. وعدت مدام دي هولباخ إلى بعضها كانون برجييه الذي كان لتوه قد تلقى معاشًا من رجال الكنيسة لمقالاته الرائعة التي كتبها دفاعًا عن الكنيسة الكاثوليكية. وارتاب كثيرًا من الناس في أن ديدرو كتب بعض أجزاء من الكتاب ولكنه في جملته كان حسن الترتيب وحسن الأسلوب مما يستبعد أن يكون بقلم ديدرو، ولكنه ربما أسهم فيه بالمناجاة المتألفة البليغة للطبيعة في آخر الكتاب. وعلى أية حال لم يشعر ديدرو بالأمن والطمأنينة في باريس ورأى من الحكمة أن يزور لانجرز.
ووصل كتاب"منهج الطبيعة"مهربًا من هولندا، وتهافت على شرائه جمهور كبير يشمل كما روى فولتير العلماء والباحثين والجهّال والسيدات (104) . وسر به ديدرو فقال"إن ما أحب هو فلسفة واضحة محددة صريحة مثل تلك الموجودة في كتاب منهج الطبيعة، والمؤلف ليس ملحدًا في أي من الصفحات، وهو ربوبي في بعضها، وفلسفته تجري على نسق واحد" (105) . وهذا يختلف عن ديدرو كل الاختلاف. أن ما أحبه في الحقيقة هو أن دي هولباخ كان ملحدًا في كل صفحات الكتاب. ومع ذلك فإن الكتاب كان مشربًا بروح تقارب التفاني الشديد أو الإخلاص الديني في سعادة المبشر. أن دي هولباخ رأى عالمًا يسوده البؤس والشقاء. حيث يحكمه الملوك والقساوسة ومن ثم خلص إلى أن الناس سيكونون أسعد حالًا لو انهم ولوا ظهورهم لرجال الدين والملوك واتبعوا رجال العلم والفلسفة. وإن العبارات الأولى في الكتاب لتنبئ عن روحه وفكرته الرئيسية:
"إن مصدر شقاء الإنسان وبؤسه هو جهله بالطبيعة. إن إصراره على التمسك بالآراء الخاطئة العمياء التي تلقنها في طفولته ... وما نتج عن ذلك من تحيز وهوى ظللا عقله وأفسدا ذهنه .. يبدو أنهما قضيا عليه بالاستمرار على الخطأ ... أنه يستمد أسلوب تفكيره من الآخرين تحت مسئوليتهم،"