والشافعية والمالكية والحنابلة المخالفون للحنفية في هذا الفرع، احتجّوا بحديث عائشة في استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها:"إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي" [1] .
استدلوا به على أن المستحاضة إن كانت مميزة فالمعتبر التمييز، ولا اعتبار حينئذٍ بالعادة. واستدلالهم مبني على القاعدة المذكورة نفسها. ووجه بنائها عليها لا يخفى [2] .
هذا ولما كان من المحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علم بالواقعة -ربما من مصدر آخر غير سؤال السائل- على أي الوجهين وقعت، فقد أنكر بعض العلماء صحة هذه القاعدة، لأن استفصاله عن ذلك يكون لغوًا لا فائدة فيه.
فبالنظر إلى هذا الاحتمال حرّر الأبياري [3] هذه القاعدة كما يلي:
أولًا: إن كان الاستفتاء عن أمر لم يقع أصلًا، وإنما يراد إيقاعه في المستقبل، فإن ترك الاستفصال ينزّل منزلة العموم، كما لو سألته امرأة غير مستحاضة عن الحكم لو استحيضت.
أقول: ومثله ما لو سئل عن المسألة بصفة عامة، كما لو قيل له: ما تقول في امرأة استحيضت ... إلخ.
ثانيًا: أن يتبيّن لنا اطّلاعه - صلى الله عليه وسلم - على صفة الحال، ونعلم بطريق ما، أن الخبر كان قد وصله، فلا ريب أن تركه الاستفصال لا يدل على العموم، لأن الاستفصال لا داعي إليه.
ثالثًا: أن يثبت لنا، بطريق ما، أن القضية التي وقعت أفتى فيها - صلى الله عليه وسلم - وهي
(1) رواه النسائي (جامع الأصول 8/ 227) .
(2) انظر الخلاف في هذا الفرع في المغني لابن قدامة 1/ 311
(3) البحر المحيط للزركشي 2/ 53 أ.