وحيث تعارضا، فإن كان هناك قرائن تبيِّن أنه - صلى الله عليه وسلم - فعل ما فعل، على سبيل السياسة، فالأمر واضح، وإيس منهلاّ امتنع أن يكون فعله له مكروهًا أو محرمًا، لأنه يؤدي إلى أن يستقر في الشريعة ما ليس منها. والله أعلم.
الشبهة الرابعة: أنه - صلى الله عليه وسلم - قد يكون له عذر فيما فعل، أي أن يكون فعل الفعل على سبيل الرخصة، كأن يكون أفطر في رمضان، ويكون إفطاره لأجل مرض خفيّ.
ومثاله أيضًا: أن يكون قد صلّى في ملابسَ دونٍ، لقلة الملابس اللائقة بجلال الصلاة، فمن اقتدى به - صلى الله عليه وسلم - في ترك الملابس الفاخرة في الصلاة، كان ذلك خطأ.
ومثاله أيضًا: مما ورد في السنن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر الإنفاق حتى لا يبقي شيئًا. ويتقشف في معيشته. يحتمل أن يكون ذلك للحاجات والضرورات الواقعة في المجتمع الإسلامي مما لا بدّ من الوفاء به. فإن اقتدي به في ذلك في السعة كان خطأ.
ونظير ذلك في الإقرار ما ورد عن أبيّ بن كعب أنه قال: الصلاة في الثوب الواحد سنة، كنا نفعله مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يعاب علينا، فقال ابن مسعود: إنما كان ذلك إذ كان في الثياب قلة، فأما إذ وسّع الله فالصلاة في الثوبين أزكى [1] .
ومن هنا وقع الخلاف في المنيّ، ففي حديث عائشة أنها كانت تفركه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فركًا فيصلي فيه [2] . قال الشافعية والحنابلة: ذاك دليل طهارته. وقال الحنفية: هو نجس، ويجزئ فرك يابسه.
ومثاله أيضًا: تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدنانير الذهبية، والدراهم الكسروية، وإقراره التعامل بها، مع ما عليها من صور القياصرة، ومعابد النيران. يحتمل أن
(1) أحمد في المسند 5/ 141
(2) رواه مسلم 3/ 196