فهرس الكتاب

الصفحة 871 من 1029

بِالْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِخْلَاصِ ذَنْبٌ، كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَخَافُوا الكبائر بعد أَنْ تُحْبِطَ الْأَعْمَالَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَا تَمُنُّوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَتُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ، نَزَلَتْ فِي بَنِي أَسَدٍ وَسَنَذْكُرُهُ فِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى [1] .

[34] {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [محمد: 34] هُمْ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ وَحُكْمُهَا عَامٌّ.

[35] {فَلَا تَهِنُوا} [محمد: 35] لَا تَضْعُفُوا {وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} [محمد: 35] أَيْ لَا تَدْعُوَا إِلَى الصُّلْحِ، ابْتِدَاءً مَنَعَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْعُوا الْكَفَّارَ إِلَى الصُّلْحِ، وَأَمَرَهُمْ بِحَرْبِهِمْ حَتَّى يُسْلِمُوا، {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} [محمد: 35] الغالبون، قال الكلبي: آخر الأمم لَكُمْ وَإِنْ غَلَبُوكُمْ فِي بَعْضِ الأوقات، {وَاللَّهُ مَعَكُمْ} [محمد: 35] بِالْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35] لن ينقصكم شيئا من ثوب أَعْمَالِكُمْ، يُقَالُ: وَتِرَهُ يَتِرُهُ وَتَرًا إِذَا نَقَصَ حَقَّهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالضَّحَّاكُ: لَنْ يَظْلِمَكُمْ أَعْمَالَكُمُ الصَّالِحَةَ بَلْ يُؤْتِيكُمْ أُجُورَهَا.

[36] ثُمَّ حَضَّ عَلَى طَلَبِ الْآخِرَةِ فَقَالَ: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [محمد: 36] بَاطِلٌ وَغُرُورٌ، {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا} [محمد: 36] الفواحش، {يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} [محمد: 36] جَزَاءَ أَعْمَالِكُمْ فِي الْآخِرَةِ {وَلَا يَسْأَلْكُمْ} [محمد: 36] ربكم {أَمْوَالَكُمْ} [محمد: 36] لِإِيتَاءِ الْأَجْرِ بَلْ يَأْمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ لِيُثِيبَكُمْ عَلَيْهَا الْجَنَّةَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ: {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ} [الذَّارِيَاتِ: 57] وَقِيلَ: لَا يَسْأَلُكُمْ مُحَمَّدٌ أَمْوَالَكُمْ، نَظِيرُهُ: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [الْفُرْقَانِ: 57] وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَةِ: لَا يَسْأَلُكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْوَالَكُمْ كُلَّهَا فِي الصَّدَقَاتِ، إِنَّمَا يَسْأَلَانِكُمْ غَيْضًا مِنْ فَيْضٍ، رُبْعَ الْعُشْرِ فَطِيبُوا بِهَا نفسا، وقروا بها عينا وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ ابْنُ عُيينة، يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ:

[37] {إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ} [محمد: 37] أَيْ يُجْهِدُكُمْ وَيُلْحِفُ عَلَيْكُمْ بِمَسْأَلَةِ جَمِيعِهَا، يُقَالُ: أَحْفَى فَلَانٌ فَلَانًا إِذَا جَهِدَهُ، وَأَلْحَفَ عَلَيْهِ بِالْمَسْأَلَةِ، {تَبْخَلُوا} [محمد: 37] بِهَا فَلَا تُعْطُوهَا، {وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} [محمد: 37] بُغْضَكُمْ وَعَدَاوَتِكُمْ، قَالَ قَتَادَةُ: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْأَمْوَالِ خروج الأضغان.

[38] {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [محمد: 38] يَعْنِي إِخْرَاجَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عليكم، {فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ} [محمد: 38] بِمَا فُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ، {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ} [محمد: 38] عَنْ صَدَقَاتِكُمْ وَطَاعَتِكُمْ، {وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38] إِلَيْهِ وَإِلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ. {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38] بَلْ يَكُونُوا أَمْثَلَ مِنْكُمْ وَأَطْوَعَ لِلَّهِ مِنْكُمْ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ كِنْدَةُ وَالنَّخْعُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمُ الْعَجَمُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: فَارِسٌ وَالرُّومِ.

[سورة الفتح]

[قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ] اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. . .

(48) سُورَةُ الفتح [1] قَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1] أَيْ قَضَيْنَا لَكَ قَضَاءً بَيِّنًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَكَانَ الصلح من الفتح المبين، واختلفوا في هذا الفتح، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَتْحُ خَيْبَرَ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمَعْنَى الْفَتْحِ فَتْحُ الْمُنْغَلِقِ، وَالصُّلْحُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِالْحُدَيْبِيَةِ كَانَ مُتَعَذِّرًا حَتَّى فتحه الله -عزّ وجلّ.

[2] {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ} [الفتح: 2] فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الرِّسَالَةِ، {وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2] إلى وقت نزول هذه

(1) آية (14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت