فهرس الكتاب

الصفحة 866 من 1029

وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَالِاخْتِيَارُ، لِأَنَّهُ عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ.

قوله تعالى: {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4] أَيْ أَثْقَالَهَا وَأَحْمَالَهَا، يَعْنِي حَتَّى تَضَعَ أَهْلُ الْحَرْبِ السِّلَاحَ، فَيُمْسِكُوا عَنِ الْحَرْبِ، وَأَصْلُ الْوِزْرِ مَا يَحْتَمِلُ الْإِنْسَانُ، فَسَمَّى الْأَسْلِحَةَ أَوْزَارًا لِأَنَّهَا تُحْمَلُ، وَقِيلَ: الْحَرْبُ هُمُ الْمُحَارِبُونَ كَالشُّرْبِ وَالرَّكْبِ، وَقِيلَ: الْأَوْزَارُ الْآثَامُ، وَمَعْنَاهُ حَتَّى يَضَعَ الْمُحَارِبُونَ آثَامَهَا، بِأَنْ يَتُوبُوا مِنْ كَفْرِهِمْ فَيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقِيلَ: حَتَّى تَضَعَ حَرْبُكُمْ وَقِتَالُكُمْ أَوْزَارَ الْمُشْرِكِينَ وَقَبَائِحَ أَعْمَالِهِمْ بِأَنْ يُسْلِمُوا، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَثْخِنُوا الْمُشْرِكِينَ بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ حَتَّى يَدْخُلَ أَهْلُ الْمِلَلِ كُلِّهَا فِي الْإِسْلَامِ، وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَلَا يَكُونُ بَعْدَهُ جِهَادٌ ولا قتال، وذلك عند قدوم عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُسَالِمُوا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ أَوْ مُسَالِمٌ، {ذَلِكَ} [محمد: 4] الَّذِي ذَكَرْتُ وَبَيَّنْتُ مِنْ حُكْمِ الْكُفَّارِ، {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ} [محمد: 4] فَأَهْلَكَهُمْ وَكَفَاكُمْ أَمْرَهُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ، {وَلَكِنْ} [محمد: 4] أَمَرَكُمْ بِالْقِتَالِ، {لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد: 4] فَيَصِيرُ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الثَّوَابِ وَمَنْ قَتَلَ مِنَ الكفار إِلَى الْعَذَابِ، {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [محمد: 4] قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَحَفْصٌ: (قُتِلُوا) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ التَّاءِ خَفِيفٌ، يَعْنِي الشُّهَدَاءَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ، (قَاتَلُوا) بِالْأَلْفِ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ، وَهُمُ الْمُجَاهِدُونَ، {فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4] قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَدْ فَشَتْ فِي الْمُسْلِمِينَ الْجِرَاحَاتُ والقتل.

[5] {سَيَهْدِيهِمْ} [محمد: 5] أَيَّامَ حَيَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا إِلَى أَرْشَدِ الْأُمُورِ، وَفِي الْآخِرَةِ إِلَى الدرجات، {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} [محمد: 5] يُرْضِي خصماءَهم وَيَقْبَلُ أَعْمَالَهُمْ.

[6] {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد: 6] أَيْ بَيَّنَ لَهُمْ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى يَهْتَدُوا إِلَى مَسَاكِنِهِمْ لا يخطئونها وَلَا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهَا أَحَدًا، كَأَنَّهُمْ سُكَّانُهَا مُنْذُ خُلِقُوا فَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ أَهْدَى إِلَى دَرَجَتِهِ، وَزَوْجَتِهِ وَخَدَمِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ وَأَهْلِهِ فِي الدُّنْيَا، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَرَوَى عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (عَرَّفَهَا لَهُمْ) أَيْ طَيَّبَهَا لَهُمْ مِنَ الْعَرْفِ، وَهُوَ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ وَطَعَامٌ معرَّف أَيْ مطيَّب.

[7] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ} [محمد: 7] أي دينه ورسوله، {يَنْصُرْكُمْ} [محمد: 7] على عدوكم، {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] عِنْدَ الْقِتَالِ.

[8] {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ} [محمد: 8] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بُعْدًا لَهُمْ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: سُقُوطًا لَهُمْ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: خَيْبَةً لَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: شَقَاءً لَهُمْ. قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، عَلَى سَبِيلِ الدُّعَاءِ. وَقِيلَ: فِي الدُّنْيَا الْعَثْرَةُ، وَفِي الْآخِرَةِ التَّرَدِّي فِي النَّارِ. وَيُقَالُ لِلْعَاثِرِ: تَعْسًا إِذَا لَمْ يُرِيدُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت