تَقْدِيرُهُ، وَاللَّهِ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ أَيْ: بُنِيَ أَصْلُهُ عَلَى التَّقْوَى، {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة: 108] أَيْ: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ بُنِيَ وَوُضِعَ أَسَاسُهُ، {أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة: 108] مُصَلِّيًا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: هُوَ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، والدليل عليه قول الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» [1] وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ مَسْجِدُ قُبَاءٍ وَهُوَ رِوَايَةُ عَطِيَّةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بن جبير وقتادة، {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْجُنَابَاتِ وَالنَّجَاسَاتِ: وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ وَلَا ينامون بالليل على الجنابة {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] أَيِ الْمُتَطَهِّرِينَ.
[109] {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} [التوبة: 109] يقرأ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ (أُسِّسَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ، (بُنْيَانُهُ) بِرَفْع النون فيها جَمِيعًا عَلَى غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (أُسِّسَ) فَتْحُ الْهَمْزَةِ والسين {بُنْيَانَهُ} [التوبة: 109] بِنَصْبِ النُّونِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، {عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ} [التوبة: 109] أَيْ: عَلَى طَلَبِ التَّقْوَى وَرِضَا اللَّهِ تَعَالَى خَيْرٌ {أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا} [التوبة: 109] أي على شفير, {جُرُفٍ} [التوبة: 109] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ (جُرْفٍ) سَاكِنَةُ الرَّاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَهُمَا لُغَتَانِ، وَهِيَ الْبِئْرُ الَّتِي لَمَّ تُطْوَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ الْهُوَّةُ، وَمَا يَجْرُفُهُ السَّيْلُ مِنَ الْأَوْدِيَةِ فيتجرف بالماء فيبقى واهيًا، {هَارٍ} [التوبة: 109] أَيْ: هَائِرٌ وَهُوَ السَّاقِطُ يُقَالُ: هَارَ يَهُورُ فَهُوَ هَائِرٌ، ثُمَّ يُقْلَبُ فَيُقَالُ: هَارٍ مِثْلُ شَاكٍ وشائك وعاق عائق، وقيل: هو من هار بها إِذَا انْهَدَمَ، وَمَعْنَاهُ السَّاقِطُ الَّذِي يَتَدَاعَى بَعْضُهُ فِي إِثْرِ بَعْضٍ كَمَا يَنْهَارُ الرَّمْلُ وَالشَّيْءُ الرَّخْوُ، {فَانْهَارَ بِهِ} [التوبة: 109] أي: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُرِيدُ صَيَّرَهُمُ النِّفَاقُ إِلَى النَّارِ، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 109]
[110] {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً} [التوبة: 110] أي: {قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 110] يحسبون أنهم كانوا في بنائه مُحْسِنِينَ كَمَا حُبِّبَ الْعِجْلُ إِلَى قَوْمِ مُوسَى، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ نَدِمُوا عَلَى بِنَائِهِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَا يَزَالُ هدم بنيانهم رِيبَةً وَحَزَازَةً، وَغَيْظًا فِي قُلُوبِهِمْ، {إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 110] أي: تتصدع قلوبهم فيموتوا، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وحفص وحمزة (تَقَطَّعَ) بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ: تَتَقَطَّعُ، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، وقرأ الآخرون (تقطع) بضم التاء من التقطيع، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ وَحَدَّهُ (إِلَى أَنْ) بتخفيف اللام على الغاية، وقرأ الباقون {إِلَّا أَنْ} [التوبة: 110]
(1) أخرجه البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة 3 / 70 ومسلم في الحج ش قم (1391) 2 / 1011 والمصنف في شرح السنة 2 / 338.