فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 1029

{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181] قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: لَمَّا نَزَلَتْ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ يستقرض منا وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} [آل عمران: 181] مِنَ الْإِفْكِ وَالْفِرْيَةِ عَلَى اللَّهِ فَنُجَازِيهِمْ بِهِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: سَنَحْفَظُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَنَأْمُرُ الْحَفَظَةَ بِالْكِتَابَةِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء: 94] {وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [آل عمران: 181] قَرَأَ حَمْزَةُ (سَيُكْتَبُ) بِضَمِّ الْيَاءِ، (وَقَتْلُهُمْ) بِرَفْعِ اللَّامِ (وَيَقُولُ) بِالْيَاءِ، وَ (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) أَيِ: النَّارِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُحْرِقُ، كَمَا يُقَالُ: (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، أَيْ: مُؤْلِمٌ.

[182] {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182] فَيُعَذِّبُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ.

[183] قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} [آل عمران: 183] الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَمَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وَوَهْبِ بْنِ يَهُوذَا وَزَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ وَفِنْحَاصَ بْنِ عَازُورَاءَ وَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَهِدَ إِلَيْنَا فِي التَّوْرَاةِ {أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ} [آل عمران: 183] يزعم أنه مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، {حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} [آل عمران: 183] فإن جئتنا به صدقناك؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ قَالُوا) أَيْ: سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا، وَمَحَلُّ (الَّذِينَ) خَفْضٌ رَدًّا عَلَى الَّذِينَ الْأَوَّلِ، (إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا) أَيْ: أَمَرَنَا وَأَوْصَانَا فِي كُتُبِهِ أَنْ لَا نُؤْمِنُ بِرَسُولٍ، أَيْ: لَا نُصَدِّقَ رَسُولًا يَزْعُمُ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار أضار فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ، وَالْقُرْبَانُ، كُلُّ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَسِيكَةٍ وصدقة ملأ وعمل صالح، وهو فُعْلَانٌ مِنَ الْقُرْبَةِ، وَكَانَتِ الْقَرَابِينُ وَالْغَنَائِمُ لَا تَحِلُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانُوا إِذَا قَرَّبُوا قُرْبَانًا أَوْ غَنِمُوا غَنِيمَةً جَاءَتْ نَارٌ بَيْضَاءُ مِنَ السَّمَاءِ لَا دُخَانَ لَهَا، وَلَهَا دَوِيٌّ وَحَفِيفٌ، فَتَأْكُلُهُ وَتُحْرِقُ ذَلِكَ الْقُرْبَانَ وَتِلْكَ الْغَنِيمَةَ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةَ الْقَبُولِ، وَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ بَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا، وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ جَاءَكُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تُصَدِّقُوهُ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الْمَسِيحُ وَمُحَمَّدٌ، فَإِذَا أَتَيَاكُمْ فَآمِنُوا بِهِمَا، فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ بِغَيْرِ قُرْبَانٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إقامة للحجة عليهم، {قُلْ} [آل عمران: 183] يا محمد {قَدْ جَاءَكُمْ} [آل عمران: 183] يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، {رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ} [آل عمران: 183] من القربان {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} [آل عمران: 183] ؟ يَعْنِي: زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَسَائِرَ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَسْلَافَهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِفِعْلِ أَسْلَافِهِمْ {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 183] معناه تكذيبهم إياك مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، كَقَتْلِ آبَائِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْقُرْبَانِ وَالْمُعْجِزَاتِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت