عندما تتشقق الحضارة تتحول إلى ذرات متناثرة متنافرة ، شأنها شأن الجدار المتداعي الذي أصابه التآكل فتحولت لبناته إلى لبنات منفصلة تسقط عقب بعضها لبنة لبنة .
ويأخذ الانهيار في العملية الحضارية شكلا غريبا . وبدلا من الانسجام الذي كان سمة الحضارة الناهضة تتنافر أجزاء الحضارة الساقطة أو السائرة في طريق السقوط ، ويكاد ينطبق على عملية السقوط التاريخي قول الله ( كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار ) .
وعجيب كل العجب أمر هذا العصر، وليس العجب في هذا العصر كثرة ما بليت به الأمة الإسلامية من هزائم أو انتكاسات . وليس العجب كذلك أن الأمة أصبحت تطلب دواءها من عدوها ، وترفض"الصيدلية والطبيب"الحقيقيين ، كذلك ليس العجب في إصرار عناصر من هذه الأمة ـ بيدهم الأمر ـ على أن يتجنبوا الصواب ـ ويلهثوا وراء طريق الفناء والدمار .
نعم: ليس أمر كل هذا بعجيب . . فعملية السقوط التاريخي تشهد مثل هذه الانقلابات في المعايير .
تشهد انقلاب الحق ـ في العقول ـ إلى باطل ، وانقلاب المعروف ـ في السلوك ـ إلى منكر ، وانقلاب السفلة إلى قادة ، وارتفاع السخافة وانخفاض العلم والنور . . نعم: ليس كل هذا بعجيب في العملية التاريخية .
وإنما العجيب أن تتنكر أمة لليد الكريمة التي أنقذتها ، وأن تبحث جادة عن نفسها، عن طريق لعن الذين أنقذوها لمدة خمس قرون ، كأنها كانت تريد الغرق من قديم . . وبدلا من البحث عن حلول عملية ، وشكر الذين وقفوا معها في دورانها التاريخي والذين تربطهم بها صلات عقيدة وتاريخ وحضارة .
بدلا من هذا تحرف تاريخا لتلعنهم ، وتزيف الحقائق لتحيل إليهم وحدهم أسباب تخلفها . . مع أنها لم تستطع بعدهم أن تتقدم شيئا . بل وقعت في أحابيل أشرار البشر .
كان هذا بالتحديد هو موقف بعض العرب من الدولة العثمانية ، التي حمت الحضارة الإسلامية والعرب خمسة قرون من الزمان ! !
يرجع نسب الأتراك العثمانيين إلى قبائل الغزو التركية في بلاد تركستان ، وعندما اجتاح المغول تركستان لجأت هذه القبيلة التركية إلى جنوب القوقاز حيث توفي زعيمها"سليمان"وتسلم القيادة بعده ابنه ( أرطغول ) الذي أنجب عثمان بن ( أرطغول ) الذي تنتسب الدولة إليه .
وعلى يد عثمان هذا تحولت الجماعات العثمانية من أسلوبها القبلي إلى أسلوب"الدولة"على حساب أملاك الدولة البيزنطية ، وخلف عثمان ابنه"أورخان"سنة 726 هـ واستمر ملوكها يتتابعون"مراد الأول"بايزيد ابنه ، محمد بن بايزيد ، مراد الثاني بن بايزيد ، محمد الثاني" ( ومحمد الثاني هذا هو المعروف في التاريخ بمحمد الفاتح الذي ولي الأمور سنة 854 هـ( 1451م ) والذي نجح في الاستيلاء على القسطنطينية وقتل الإمبراطور البيزنطي"قسطنطين الحادي عشر"سنة 1453 م فقضى بذلك على الإمبراطورية البيزنطية ) ."
في ذلك الوقت كان المماليك في البلاد العربية في حالة اجترار ماضيهم ولم يعد لديهم ما يمكن أن يعطوه للوجود الإسلامي ، وكان رأس الرجاء الصالح قد اكتشف ، وبدأت مصر تفقد جزءا كبيرا من أهميتها ، كما أن قانصوه الغوري لم يستطع إيقاف البرتغاليين الذين بدأوا يسيطرون على البحر الأبيض المتوسط عند حدود احترام الأمة الإسلامية .
وفي عهد سليم الأول سنة 1516م ـ 922 هـ"وزحف على مصر وقتل قانصوه الغوري ( تحت سنابك الخيول ) وشنق طومان باي ـ على باب زويلة ـ بعد أن هزمه سليم في موقعة الريدانية . . واستولى على مصر والشام ."
ولم يتوان سلطان الحجاز ، فأرسل مفاتيح الكعبة للسلطان سليم ، وحكم الحجاز باسم العثمانيين . . وفي عهد خليفة سليم الأول ( سليمان القانوني ) دخلت معظم البلاد العربية ( اليمن ـ الجزائر ـ تونس ، مراكش ـ العراق ـ ليبيا ) في حوزة العثمانيين .
ولم تمض أكثر من عشرين سنة على اتجاه العثمانيين نحو البلاد العربية حتى كان المشرق العربي كله خاضعا لهم ، نعم: المشرق العربي الذي كان آيلا للسقوط ومفكك الوصال في مطلع العصر الحديث وبداية النهضة الأوروبية ، والذي لولا ظهور العثمانيين الذين كانوا يخيفون أوروبا ويتقدمون في أراضيها ، لولا ظهورهم هذا لتحول المشرق العربي إلى أرض بكر لمغامرات الغرب الأوروبي الخارج من أوحال العصور الوسطى كما فعل بعد ذلك بأربعة قرون بعد أن أسقط الخلافة العثمانية . . أو بعد أن انتهى مما كان يسميه تهويلا لأمره وخوفا منه:"المسألة الشرقية".