لا: إن حركات الانشقاق هذه ظاهرة أو نتيجة من نتائج بروز عوامل الانحلال .
أكان ظهور أو تحكم عناصر غير عربية في الحكم من أسباب هذا الانحلال ـ لا ، فهذه العناصر قد وجدت في حضارات كثيرة وأين هي الدولة التي تخلو من خدمات عناصر ليست منها ؟ . . ثم إن هؤلاء لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا في ظل مظاهر الانحلال الحقيقية ، وأدى معظمهم خدمات للدولة كانت سببا من أسباب بقائها وصمودها .
أكان ظهور حركات التمرد الديني كالقرامطة والحشاشين وغيرهم هو السبب الأقوى في تحلل الدولة ؟
ومما لا شك فيه أن لهذه الحركات أثرها الكبير في ضياع"الوحدة العقائدية"وفي ضياع كثير من مثل الإسلام الصافية خلال هذه العصور . . وفي خلق جو من الفوضى الفكرية والاجتماعية والاقتصادية ، لكن مع ذلك ، وإن كان هذا سبب قويا ، فليس هو السبب الأقوى في سقوط الدولة العباسية . فما هي إذن ـ عوامل تحلل الدولة العباسية ودخولها في طور الاضمحلال ؟
لا شك في أن العوامل السابقة وغيرها ، كان لها تأثيرها الكبير في اضمحلال الدولة العباسية وفي دخولها مرحلة الأفول .
بيد أن أخطر العوامل التي أسقطت خلافة العباسيين ، إهمالهم لركن هام من أركان الإسلام . . وهو ( الجهاد ) ، فبعد المعتصم المتولي أمور الدولة سنة ( 833م ) لم نسمع عن معارك ذات شأن قامت بها الدولة ، ولم يكن مبدأ"الجهاد الدائم"حماية لهذه الدولة المترامية الأطراف أحد أركان السياسة العباسية .
لقد تقوقعوا في مشاكل الدولة الداخلية . . فحصرتهم مشاكلها . . وماتوا ببطء ، ولو أنهم وجهوا طاقة الأمة نحو"الجهاد"ضد الصليبيين ، لتغير أمر الحركات الهدامة التي قدر لها أن تظهر وتنتشر ، وذلك أن هذه الحركات لا تنتشر إلا في جو مليء بالركود والفساد ، والمناخ الوحيد الصالح للقضاء عليها هو المناخ القتالي الذي يكشف المعادن النقية ويذيب المعدن الرخيص .
لقد كانت الحاجة الإسلامية ملحة في ضرورة رفع راية الجهاد ، وكانت الدولة الإسلامية التي تعرضت للانشقاق والتمزق تحتاج إلى هذا الصمام ليحميها من جو السكون والاستسلام .
لكن العباسيين غزوا في عقر دارهم . . فذلوا ، ولم يرفعوا راية الجهاد ضد العدو الخارجي . . فارتفعت رايات العصيان الداخلي .
وكان بإمكانهم أن يشغلوا الأجناس المختلفة التي ضمتها الدولة في هذه الحروب الجهادية المستمرة ضد الغزاة والوثنيات المختلفة . . لكنهم لم يفعلوا ، فتحركت النعرات القومية الجاهلية لتفتت الدولة، وتقسم جسمها تحت رايات مختلفة ليست لها بالإسلام أو الجهاد صلة .
وفي سنة 656هـ ( 1258م ) كان هولاكو ـ حفيد جنكيز خان ـ يؤدب الذين اتجهوا إلى كل الطرق إلا طريق الجهاد . . وحاولوا العلاج بكل الوسائل إلا الوسيلة الإسلامية القوية الخالدة .
وقد هاجم هولاكو بغداد وهدم أسوارها ، وأعمل المنجنيق فيها ، وحصد بغداد ، حتى لم يعد ممكنا الإقامة فيها لشدة روائحها المنفرة ، وعندما خرج الخليفة المستعصم إليه مستسلما بصحبة ثلاثمائة من أصحابه وقضاته دون شرط ، أمر هولاكو بقتلهم جميعا ، وطويت صفحة الخلافة العباسية .
ذلك أن أسلوب الأحلام الرومانتيكية الساذجة ليس وسيلة البقاء أو تشييد الحضارات . . فالذين لا يملكون إرادة الهجوم . . يفقدون القدرة على الدفاع ! !