فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 61

في تخوم السنوات التي تصل شطري القرن الثاني الهجري تفككت وحدة المغرب العربي ( تونس ـ الجزائر ـ مراكش ) وبدلا من خضوعه للدول الإسلامية الجامعة سواء دولة الأمويين أو دولة العباسية . . بدلا من هذا انقسم المغرب الإسلامي على نفسه إلى قوى ثلاث تحكمها زعامات ثلاث . . الرستميون في تيهارت ( الجزائر ) والأغالبة في تونس ، والأدارسة في المغرب الأقصى .

وليس من السهل تلمس الأسباب الحقيقية لهذا الانفصال سوى أنه مطية لتحقيق أغراض شخصية ومذهبية .

بيد أن كثيرا من المؤرخين لا يفوتهم البحث عن أسباب لكل الظواهر ، حتى ولو كانت الظاهرة مجردة حادث مفتعل يخلف نتائج مضادة ويكون حصاده وبالا على الأمة التي خضعت له .

وليس من شك في أن الحياة ليست سلبا كلها . . وبالتالي ليست إيجابا كلها . . فنحن لن نعدم أن نجد في الدولة الحضارية الجماعية سلبيات . . كذلك لن نعدم أن نجد في كل الحركات الانفصالية التي تمثل ـ في رأينا ـ بوادر غروب للحضارة الجامعة . . لن نعدم أن نجد فيها إيجابيات ، بيد أنه لا السلبيات تصلح للحكم على الدولة الجامعة بالموت وبالانقضاض عليها من داخلها ، ولا الإيجابيات تصلح كمبرر للوجود . . إذا قيست هذه الإيجابيات الجزئية بما تخلفه حركات الانشقاق من هدم في روح الحضارة . . ومن صراع يجهد الدولة الجامعة والبلد المنفصل معا .

وكان إدريس بن عبد الله بن الحسين هو ( قائد حركة الانفصال عن دولة العباسيين في المغرب الأقصى )

وكان إدريس هذا قد ساهم مع إخوته ومع العلويين في إشعال ثورة الحجاز ضد العباسيين ، لكن الثورة فشلت ، وأخمدت فهرب إدريس إلى بلاد المغرب ، وهناك استطاع أن يجمع حوله بعض قبائل البربر ، وأن يكون له إمارة مستقلة دامت حوالي قرنين من الزمان . . وكان ذلك في مطلع القرن الثالث الهجري . . أي أن حركة إدريس كانت متأخرة عن حركتي الرستميين في الجزائر والأغالبة في تونس .

وقد نجح الخليفة العباسي هارون الرشيد في أن يدس على إدريس من يدس له السم في العسل ، وكان الرشيد يضحك ويتندر بقوله"إن لله جنودا من عسل"لأنه سمه بواسطة العسل .

وقد ترك إدريس زوجته حاملا فولدت بعد موته ذكرا التف البربر حوله وبايعوه باسم إدريس الثاني . وفي عهد إدريس الثاني هذا حاول العباسيون بواسطة ولاء الأغالبة الموجودين في تونس لهم ، حاولوا القضاء على الأدارسة . . لكنهم فشلوا . . وركن العباسيون إلى السكوت . . واستمرت الدولة الإدريسية ـ كما ذكرنا ـ قرنين من الزمان .

وكان من أعظم حكام الأدارسة يحيى الرابع بن إدريس الذي حكم ثماني عشرة سنة ( 292 ـ 310 هـ ) وازدهر المغرب الأقصى في حكمه أيما ازدهار .

كما بلغت مدينة فاس عاصمة الأدارسة ذروة مجدها ، وأصبحت مركزا هاما من مراكز الحضارة الإسلامية في أنحاء المغرب العربي . وأيضا قد ساعد الأدارسة على رسوخ قدم الإسلام في بلد المغرب بين البربر ، وانتشر الإسلام بواسطة البربر في أفريقيا الغربية .

وكانت جامعة القرويين التي قامت بدور بارز في نشر وإنماء الثقافة الإسلامية من أهم آثار الأدارسة في المغرب الإسلامي ، وقد قامت في المغرب بما قام به الأزهر ـ أو على نحو قريب منه ـ في المشرق العربي .

لقد كان الأدارسة أول دولة لها هذا الطابع في التاريخ وفيما نعتقد لم تكن دولتهم شيعية إلا بمقدار حب آل البيت والولاء لهم . . وهي صفة يشترك فيها السنة والشيعة معا . . فحب آل البيت من حب الرسول عليه الصلاة والسلام ما كانوا قائمين على كتاب الله وسنة رسوله . . أما إذا خالف أحدهم كتاب الله وسنة رسوله . . . فإنه يقف من الله موقف أي إنسان"يا فاطمة بنت محمد اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا"هكذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام ! ! .

ولهذا الوضوح في دولة الأدارسة أحبها أهل السنة وانتصرت بهم ، وكانت القبائل البربرية السنية في المغرب حاميتهم وعماد دولتهم .

ولهذا السبب عاشت دولة الأدارسة نحوا من قرنين من الزمان وأدت دورا حضاريا لا بأس به في المغرب الإسلامي .

بيد أنها كأية حركة انفصالية كانت تفتقد مبرر الوجود والبقاء . . فظلت على الرغم من"قرنيها"مجرد حركة انفصالية . ولم تستطع ـ لا جغرافيا ولا فكريا ـ أن تزيد على حدودها التي ضمها إدريس الأول شيئا ذا بال .

وقد وقعت كذلك بين عديد من القوى الراغبة في الابتلاع . . وقعت بين الأمويين في الأندلس ، الذين كثيرا ما سددوا إليها الطعنات . . وبين مصر التي انتقلت إلى الفاطميين منذ سنة 359 هـ . . فوجهوا إلى الأدارسة طعنات كذلك على الرغم من القرابة المذهبية . .

ولا يمكن إغفال ضربات القبائل البربرية الراغبة في حكم نفسها ، لا سيما قبائل زناتة وهوارة .

وقد أدى ذلك كله على غروب شمس الأدارسة عام 375 هـ .

فانتهت إحدى الحركات الانفصالية في تاريخنا الإسلامي . . لأن السقوط ـ وإن كثرت المقويات والمساعدات ـ هو مصير كل الحركات الانفصالية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت