تُحْرِقُوا فُلانًا وَفُلانًا بِالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا» (1) .
وقد يرسله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سرية ويودعه، من هذا ما أخرجه ابن ماجه في باب تشييع الغزاة ووداعهم، بسنده عن أبي هريرة قال: وَدَّعَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لاَ تَضِيعُ وَدَائِعُهُ» (2) .
ولم يترك أبو هريرة الجهاد في سبيل الله بعد وفاة الرسول الكريم وكيف يتركه؟ وقد سمع النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنْ أَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ» (3) ، كما سمع قوله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي مُنْخُرَيْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَلاَ يَجْتَمِعُ شُحٌّ وَإِيمَانٌ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» (4) .
فإذا ما دعت الحاجة إلى الجاد، رأينا أبا هريرة في صفوف الجند يدافع في سبيل الله، وأول وقعة يحضرها أبو هريرة بعد وفاة رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، هي حرب الرِدَّةِ، أخرج الإمام أحمد بسنده عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود عن أبي هريرة عن النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ تَعَالَى» قال: فلما كانت الرِدَّةُ قال عمر لأبي بكر: تقاتلهم وقد سمعت رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول كذا وكذا؟ قال: فقال أبو بكر: والله لا أفرِّقُ بين الصلاة والزكاة، ولأقاتلنَّ من فرَّقَ بينهما، قال: فقاتلنا معه فرأينا ذلك رشدًا (5) . القائل هو أبو هريرة.
فَلَمَّا كَانَتِ الرِّدَّةُ، قَالَ عُمَرُ لأَبِي بَكْرٍ: تُقَاتِلُهُمْ وَقَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: كَذَا، وَكَذَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٌ: وَاللَّهِ لاَ أُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّلاَّةِ، وَالزَّكَاةِ، وَلأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: فَقَاتَلْنَا مَعَهُ فَرَأَيْنَا ذَلِكَ رُشْدًا (5) . والقائل هو أبو هريرة».
(1) "مسند الإمام أحمد": ص 206، جـ 15. وإسناده صحيح.
(2) "سنن ابن ماجه": ص 943 حديث 2825، جـ 2.
(3) "مسند الإمام أحمد": ص 140، جـ 12. وإسناده صحيح.
(4) "مسند الإمام أحمد": ص 220، جـ 13. وإسناده صحيح.
(5) "مسند الإمام أحمد": ص 181، جـ 1. وإسناده صحيح.