قُلْتُ: بَلَى، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. قَالَ:"فَوُضِعَ لَهُ إِنَاءٌ ... ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَدَهُ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ (1) . وهذا الخبر صحيح يعارض الخبر السابق الضعيف. وإنَّ من الخطأ الذي لا يغتفر، أنْ ينساق المرء وراء ميوله وأهوائه، حتى ينتهي إلى ما يخالف به أصوله وسيرة قدوته. ويستشهد بما يطعن في مرشده ومعلمه، لقد ثبت تمسك عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بسُنَّة رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فهل يعقل أنْ يخالف سُنَّة الرسول الكريم، لأنه يسيء الظن بأبي هريرة؟ لا يقول هذا أحد قط وإنْ قاله فهو من أعداء عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لا من شيعته. فكان من الخير لعبد الحسين الذي يدَّعي أنه من أتباع المؤمنين أنْ يَعَضَّ على حجر، أو على جمرة حتى يحترق لسانه من أنْ يستشهد بما يخالف الحقيقة والتاريخ."
لقد طال العهد بعائشة أم المؤمنين وبأبي هريرة، فاحتاج الناس إليهما كثيرًا، فروى عنهما من الحديث ما لم يرو عن غيرهما، وقد كان أبو هريرة يُحَدِّثُ، فتستدرك عليه السيدة عائشة تارة، وتصدُّقه أخرى، كما كان يُحَدِّثُ مع غيره من الصحابة، فقد استدركت (2) على أبي بكر وعمر وعثمان وعَلِيٍّ، وعلى ابن عمر، وعلى أبي هريرة ... وكل ذلك كان من باب التفاهم والسؤال عن الحديث، أو الدليل في المسألة التي يفتي بها المسؤول، كما استدرك غيرها عليها، كما أنها كانت توجه من يسألها أحيانًا إلى من هو أعرف منها في تلك المسألة، وقد ثبت أنها وجَّهت من سألها عن مسح الخف إلى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - (3) ، وفي كل هذا لم يشعر
(1) "مسند الإمام أحمد": ص 49، جـ 2 رقم 625. بإسناد صحيح.
(2) جمع الإمام بدر الدين الزركشي كتابًا في ذلك تحت عنوان"الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة".
(3) قال شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ (على الخفين) فَقَالَتْ: «اِئْتِ عَلَيًّا فَهُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّي» قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَالَ: فَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلِلْمُسَافِرِ ثَلاثًا» . انظر"مسند الإمام أحمد": 2/ 175 رقم 906 ورواه الإمام مسلم.