ـ [لؤي الطيبي] ــــــــ [15 Mar 2005, 12:47 ص] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان، والصلاة والسلام على من نطق بأفصح لسان، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:
فقد تردّدت كثيرًا قبل الكتابة في هذا الموضوع .. علمًا بأنه مرّ على تدوينه أكثر من عام ونصف العام ..
على أني وجدت فيه أمورًا ينبغي التوقف عندها .. وتبيين حقيقة أبعادها .. سائلًا المولى عزّ وجلّ أن يفتح عليّ ببيانها .. وأن يعصمني من زلل الرأي فيها ..
وأول ذي بدء أتقدم بكلمة شكر للأخ ناصر الماجد على تناوله الراقي لموضوع الإعجاز العددي بهذه الروح الوسطية المعتدلة .. ذلكم المنهج الذي أشار إليه أخونا الكريم عبد الرحمن الشهري مشكورًا، في قوله:"وما أجمل التوسط والإعتدال في كل الأمور".. ..
وإن ما دعاني في الحقيقة إلى رفع هذا الموضوع من جديد، وإعادة النظر فيه، هو المنهج الذي يتبعه بعض العلماء وكثير من المتعلمين في احتجاجهم على ما يسمّى بالإعجاز العددي للقرآن الكريم .. وليتهم أنصفوا فعرضوا على الناس الحقيقة، أو قدّموا للمتخصّصين نقدًا منهجيًا موضوعيًا .. لكان ما عزمت عليه أمرًا منسيًا ..
ولكني وجدت للأسف أن"المعارضين"لم يفرّقوا حتى بين دراسات جادّة إبداعية وبين دراسات سخيفة ركيكة .. بل وعمدوا إلى الإحتجاج على البطلان بالدراسات السخيفة، ليسلّوا سيوفهم في وجوه أشباح لم نجد لها أصلًا على أرض الواقع .. مما جعلني أدرك أنّهم لم يدرسوا المسألة دراسة جادّة .. فهم قد آمنوا أنه لا وجود لإعجاز عددي في القرآن الكريم مطلقًا، وبالتالي لا داعي لإضاعة الوقت في أمر قد حُسم مسبقًا ..
فجمعوا"أدلتهم"من بطون الكتب، وقدّموها للناس على أنها القول الفصل الذي لا يجوز مخالفته .. وعندما شعروا بضعف موقفهم لجأوا إلى عبارات طنانة، وشتائم وأوصاف قد تجدي فقط في ردع الذين يطلبون السّلامة، وكأنهم لا يعلمون أنّ الذي ينهل من روح القرآن الكريم لا يقيم وزنًا إلا للحقيقة الربّانية ..
ذلك أن كتاب الله أعظم من أن يحيط به فهم أحد من البشر، في أي زمان وأي عصر .. إذ كيف لمحدود أن يحيط علمًا بدلالات كلام الله العليم الحكيم؟
وإن تعجب فعجب قولهم: ألّو كان هذا حقًا، فلِمَ لَم يعلمه علماؤنا بسلفهم وحاضرهم؟ ولماذا لم يتقوّلوا به، أو بأمر يشابهه؟ ولا يسعنا هنا إلا أن نقول: إن هذا بالطبع لم يكن قصورًا بهم ولا جهلًا فيهم رحمهم الله، ولكنه تصديق لقول الحق تبارك وتعالى"لكل نبأ مستقرّ"،"ولتعلمنّ نبأه بعد حين".. ولو كان هذا السؤال في محله، لما حلّ لعبد أن ينظر أو يخالف .. ولكان أول من ابتدع هم التابعون عند أول كلمة تفوّهوا بها بغير سند عن الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا .. فمن منا يقول بهذا؟
ومن ثم، أفلم يأت المجدّدون بجديد؟ ألم يأت علماء الإسلام وشيوخه بجديد؟ فما المانع إذن بأن يأتي علماؤنا بجديد في تأصيل القواعد المنهجية، كما فعل أسلافنا الكرام في تحقيقاتهم؟ وإلا فما هي الفائدة من التقدّم العلمي واتساع دائرة المعارف الإنسانية؟
أولم يقل الجرجاني رحمه الله في رسالته الشافية:"إن من حق المنع إذا جُعل آية وبرهانًا، ولا سيّما للنبوّة، أن يكون في أظهر الأمور، وأكثرها وجودًا، وأسهلها على الناس، وأخلقها بأن تبين لكل راء وسامع".. ونحن نسأل: ما هي أظهر الأمور اليوم بنظر"المعارضين"؟ وما هو أكثرها وجودًا؟ وأسهلها على الناس؟ وأخلقها بأن تبين لكل راء وسامع؟
وأولم يقل السيوطي رحمه الله في إتقانه:"إن العلوم وإن كثُر عددها، وانتشر في الخافقين مددها فغايتها بحر قعره لا يُدرك، ونهايتها طود شامخ لا يُستطاع إلى ذروته أن يُسلك، ولهذا يُفتح لعالِم بعد آخر من الأبواب ما لم يتطرّق إليه من المتقدّمين الأسباب"؟
وأولم يقل ابن مالك رحمه الله في تسهيله:"إذا كانت العلوم منحًا إلهية ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يُدّخر لبعض المتأخّرين ما عسُر على المتقدّمين، نعوذ بالله من حسد يسدّ باب الإنصاف، ويصدّ عن جميل الأوصاف"؟
فَلِم يُشاع في المسلمين أن علوم القرآن باتت في الكتب والتفاسير، وما سوى ذلك بدعة واختلاق، وأن السلف الصالح تكفّل بمهمّة النظر والتدبّر نيابة عنا، فأجابوا عن كل سؤال، وبيّنوا كل مشكل، ولم يتركوا متّسعًا لنظر ولا حيّزًا لتدبّر؟ فهل هم لم يتركوا لنا سوى فرض التلاوة والترتيل، وترديد ما أثبتوا وأقرّوا؟ ألم يعلم هؤلاء أن هذا فيه تعطيل لأمر الله تعالى لنا بتدبّر كتابه:"كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبّروا آياته وليتذكّر أولوا الألباب"؟
ومع هذا وذاك، فنحن لا نغفل عن حقيقة أن الناس مع ما ألفت قلوبهم واعتادت عقولهم،"قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا"، فهم ينكرون كل جديد ويستعجبوه، ولو قامت عليه الحجج البيّنات،"أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب، ما سمعنا بهذا في الملّة الآخرة إن هذا إلا اختلاق".. ولكن هل كل عجيب باطل، وهل كل معهود حق ..
والحق، أن السادة العلماء هم أول من يتحمّل همّ البحوث الصادرة في هذا المجال وتبعاتها .. فإن يك حقًا فعليهم إثباته وبيانه للناس .. وإن يك باطلًا فعليهم ردّه بالحجّة والبرهان .. ولن يقنع الناس بقول بعضهم: إن هذا لم يقل به أحد من السلف .. فتلك حجّة صالحة في العقائد والشرائع .. وما كان من سواهما من آيات الأرض والسماء .. فالأصل النظر والإعادة،"فلكل نبأ مستقرّ وسوف تعلمون"..
وعلى هذا، فإن أردنا الحكم على مصطلح الإعجاز العددي، فلا بدّ من الإتصاف بالإنصاف ولا بدّ من معالجة هذه القضية بموضوعية دون آراء مسبقة .. وكما أشار الأخ ناصر الماجد في بداية مقالته فإن الكلام عن هذا المصطلح يحتاج إلى دارسة وافية ونظر متأمل .. ثم ضرورة التدبّر في إيغال وتؤدة مع الإعمال الحريص للنظر في البحوث المتعلقة به ..
يتبع
(يُتْبَعُ)