وفي سورة قريش تتجلى صورة الأمان والامتنان التي جعلها الله عز وجل في بيته المحرم (فليعبدوا رب هذا البيت) .. وهي صورة معاكسة للصورة التي تجليها لنا سورة البروج (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) .. صورة النقمة والفتنة والتكذيب وإحاطة الله بهم بعد وهو أحكم الحاكمين.
فجاءت سورة التين وسطًا بين ذلك جامعة مما هنالك، فيها ذكر سفالة السافلين في البيت الأمين، وكم عاب الله فيهم تلك السفالة! (أجعلتم سقاية الحاج ... ) (والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر ... ) إلخ إلخ، وفيها بالمقابل العادل قوامة المؤمنين في معشر بالكفر سافلين (قريش) . وكم ذكر الله أنهم أولى بتطهير ذلك البيت وإشاعة الأمن فيه!.
هذه السور الثلاثة (البروج، التين، قريش) فيها أجواء متقاربة جدًا للمتأمل.
= وهذه الأجواء تجدها أيضًا من زوايا أخرى في سورة (الشرح) السابقة في الترتيب، و (العلق) اللاحقة في الترتيب.
ففي سورة الشرح ذكر خير الخلق صلى الله عليه وسلم وامتنان الله عليه بالشرح ووضع الوزر وتبشيره بانفراج الأمور وانقلابها من عسر وخوف إلى يسر و أمان. فهي أشبه في ذكر السراء ولوازمها بسورة قريش.
وفي سورة العلق ذكر طغيان أبي جهل وناديه ونهيه المؤمنين عن العبادة في المسجد الحرام وتكذيبه وتوليه ومصيره النكد وسفع ناصيته ...
فهي أشبه في ذكر الضراء والتنكيل بالمؤمنين بسورة البروج.
فسورة التين وسط بين هاتين السورتين أيضًا، فيها ما يشرح صور المؤمنين ويقمع السفلة من الكائدين.
= قرأ عمر بن الخطاب في صلاته يومًا وهو في مكة بـ التين والزيتون في الركعة الأولى، وفي الثانية بالفيل وقريش؛ يرفع صوته تعظيمًا للبيت!.
وقد يكون ذلك لما أحسّ به عمر أن هذه السور تعظم البيت الذي صار آمنًا كما أراد الله له أن يكون كذلك.
والفارق ظاهر بين موقف عمر هذا وشكوى خباب إلى النبيء من شدة العذاب والأذى الذي كان كفار قريش يصبونه على المؤمنين المستضعفين، التي وردت في أسباب نزول البروج.
ولعل ذكر الأمان في (البيت الأمين) (هذا البيت) فيها هو الذي جعل ابن عباس وقتادة رضي الله عنهم يرون أنها من السور المدنية؛ خلافًا للجمهور، باعتبار أن مكة بعد الفتح صارت حرمًا آمنًا حقيقة لا حكمًا.
= هذه السورة تذكر أفضل التفضيل في كل محاورها إما بصيغته المعروفة (أفعل: أحسن / أسفل / أحكم) ، وإما بلفت الأنظار إلى قيم الأشياء التي أقسم الله بها (التين / الزيتون / الطور / مكة) التين أحسن الفاكهة تقويمًا وفائدة، والزيتون أحسن الثمار بركة وفائدة، والطور أحسن الجبال أنسًا وأمنًا في حال الانفراد، ومكة أحسن البلاد أنسًا وأمنًا في حال الاجتماع، والإنسان أحسن المخلوقات صورة (أحسن تقويم) ، وأحسنها منزلة في حالة إيمانه تقواه، وجزاؤه غير ممنون، وأسفلها دركة في حالة اتباعه لهواه، وعذابه أهون العذاب. وهذه أقوى الإدلة على أن رسالة الإسلام رسالة سلام وأنس وأمان وفائدة، والإله الذي أنزل هذا العلم المحكم هو أحكم الحاكمين وأعدل العادلين.
(هذه الفائدة ملخصة من البقاعي بتصرف)
= المناسبة بين المقسم والمقسم به مطلوبة لأنها من مقتضيات الحكمة (أن يكون المقسم في إطار المقسم به: الظلال) ، كما أن تشبيه المؤمن بأنواع الزروع مستساغ ومقبول، وفيك انطوى العالم الأكبر.
= التين أقوم فاكهة، ولكن إذا ترك بلا عناية وتقويم تعاورته الآفات المفسدة (فيصر إلى السفالة) (جواب عن الأستاذ جلغوم) ، ولكن في حال العناية (أحسن التقويم) به يؤكل طريًا ومجففًا، وتجب فيه الزكاة عند بعض المالكية (ذكره القرطبي) لأنه مقتات مدخر. وهذا شبه ما بين التين والإنسان: أحسن تقويم بلا رعاية معلومة يؤول إلى فساد وسفالة.
= والزيتون أفضل الثمار، ولكن أفضليته لا تكون إلا بالمعالجة، فلو ترك بلا معالجة صابرة من قطاف وتخليل واعتصار معلوم، والإنسان بالتربية والمعالجة الربانية والتقويم يصلح ويستقيم، (ومثلهم في الإنجيل كزرع ... ) .
= الطور جبل البركة والأنس والأمن (إنك من الآمنين) والنور والكلام (وكلمه ربه) واليمن والاستجابة للأمر والدك والصعق (فلما تجلى ربه للجبل) والنتق (وإذ نتقنا الجبل) . كان ذلك الجبل دائمًا على أحسن التقويم على الفطرة.
= والبلد الأمين (أولم أنا جعلنا حرمًا آمنًا ويتخطف الناس من حولهم) (تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا) .
= هناك علاقة بين الزيتون والطور (وشجرة تخرج من طور سيناء) ، وعلاقة الطور بغيره مذكورة (والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور) . وإدراك هذه العلاقات وروابطها ودلائلها فيها أكبر دلالة على بلوغ الإنسان أعلى مستويات التقويم في الفكر والعمل.
= (فما يكذبك بعدُ) الظرف (بعدُ) مقطوع عن الإضافة مبني لحذف المضاف إليه، وتقديره: بعد تلك البراهين أو نحوه ... هذه السورة بما فيها من أجواء العظمة الإلهية التي ساقت مظاهر العظمة والأمان في فاكهة أو ثمرة أو جبل أو بلد ... لهي القادرة على إشاعة الأمان في كل أرجاء هذا الوجود.
= الإسلام دين عالمي من أول يوم، ولا زال غصن الزيتون رمز السلام باتفاق الأمم، كما أن السيف رمز الحروب، لأن زراعة الزيتون تجر إلى زراعة التين أو العكس، والإنسان (خليفة الله في أرضه) لا يقدم على زراعة التين والزيتون ورعايتهما وتصنيعهما إلا إذا شعر بالأمان وأنس بالبقاء واستشرف امتداد النسل وتطلب البركات الأرضية والسماوية.
= في فلسطين اليوم تجرّف حقول التين والزيتون من منابتهما دون هوادة، وتغرس أشجار الغرقد دون هوادة أيضًا .. ولكننا قوم نحب التين والزيتون، ونتعبد إلى الله بقراءة التين والزيتون، وأكلهما، وزرعهما، ونعتقد أن ذلك الشجر سيتكلم يومًا، ويقول للمسلم: يا مسلم، يا عبد الله، هذا مسلم ورائي فتعال فاقتله ...
وأرجو أن أكون أبرزت جانبًا أو جوانب من هذا الموضوع الذي تناولته هذه السورة الكريمة.
ولا حول ولا قوة إلا بالله والصلاة والسلام على رسول الله وأستغفر الله من قولي هذا
والله أعلم
(يُتْبَعُ)