السؤال الذي أراه أجدر في هذا الموضوع هو؛ هل المقصود بالقسم في هذه الآية الكريمة ثمرة التين والزيتون؟؟؟
أم أن المقصود الأماكن التي نزلت فيها الكتب السماوية؟؟؟
وما وجه الربط بين الأمور التي أقسم الله جل جلاله بها في هذه الآية الكريمة؟؟؟ وهي؛ التين، والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين؟؟؟
الجواب
التفسير الموضوعي - فيما أرى - قراءة تلم بأشتات السورة وتنظمها في سلك واحد .. من أولها إلى آخرها .. بعيدًا عن التعميم الذي يصدق على كل سورة وبعيدًا الاستطراد الذي يبحر في خواص السورة ويفرع لها الفروع والوجوه.
ولا تكاد تمسك بذلك الخيط الموضوعي الناظم للسورة (على صغرها: ثماني آيات) حتى يضيع منك إلا في حال قراءة كتاب الإمام البقاعي ج 22 / ص 134 - 155، فهو أجودها في هذه المسألة بلا منازع.
أما الاستطراد في الجزيئات فشأن أكثر التفاسير التي اطلعت عليها:
ابن جرير / الكشاف / القرطبي / البحر المحيط / ابن كثير / النسفي / البقاعي / الدر المأثور / الجلالين / ابن عاشور / سيد قطب / الأساس / التفسير الموضوعي لمحمد الغزالي / التفسير الموضوعي د مسلم.
وقد وصف أبو حيان أقوال المفسرين بالاضطراب في تعيين مسمى التين والزيتون فأضرب عنها صفحًا.
ولم ير الأستاذ سيد قطب في ذلك ما يمكنه الاعتماد عليه، فقارب أنها رموز مجازية للأماكن المقدسة.
والأصل أن لا يصار إلى المجاز إلا في حال تعذر الحقيقة. والحقيقة ممكنة، بل هي واجبة هنا.
ولهذا رجح أكثر المفسرين أن التين هو التين المعروف وأن الزيتون هو الزيتون الذي يعصر؛ فوجب الكشف عن وجه التصريح بالتين والزيتون على الحقيقة اللغوية المتبادرة للأجيال دون تكلف.
وهذه خلاصة ما رأيت أنه ينظم هذه الأمور المذكورة في هذه السورة، ولعل فيها زيادة بيان، وذلك في النقاط التالية:
= نزلت هذه السورة (التين) بين سورتين مكيتين في قول الأكثر، هما: سورة البروج، وسورة قريش، (التحرير والتنوير) .
ولا يخفى أن سبب نزول هاتين السورتين وسياقهما في تاريخ الدعوة مأثور معروف ألا وهو دعوة الإسلام التي شرعت تضرب جذورها في أرض الأمن والأمان، في حين محاولة أعدائها الكفرة الفجرة السفلة استئصالها، لا يرعون في ذلك إلاًّ ولا ذمة، فخُدّت الأخاديد وحفرت السكك وقتلت الشعوب البريئة وسفكت الدماء الطاهرة وانتهكت الفطرة القويمة.
وفي سورة البروج تتجلى صورة فتنة الكفار للمؤمنين (الغلام والراهب وقصة الأخدود: صحيح مسلم) .
وفي سورة قريش تتجلى صورة الأمان والامتنان التي جعلها الله عز وجل في بيته المحرم (فليعبدوا رب هذا البيت) .. وهي صورة معاكسة للصورة التي تجليها لنا سورة البروج (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) .. صورة النقمة والفتنة والتكذيب وإحاطة الله بهم بعد وهو أحكم الحاكمين.
فجاءت سورة التين وسطًا بين ذلك جامعة مما هنالك، فيها ذكر سفالة السافلين في البيت الأمين، وكم عاب الله فيهم تلك السفالة! (أجعلتم سقاية الحاج ... ) (والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر ... ) إلخ إلخ، وفيها بالمقابل العادل قوامة المؤمنين في معشر بالكفر سافلين (قريش) . وكم ذكر الله أنهم أولى بتطهير ذلك البيت وإشاعة الأمن فيه!.
هذه السور الثلاثة (البروج، التين، قريش) فيها أجواء متقاربة جدًا للمتأمل.
= وهذه الأجواء تجدها أيضًا من زوايا أخرى في سورة (الشرح) السابقة في الترتيب، و (العلق) اللاحقة في الترتيب.
ففي سورة الشرح ذكر خير الخلق صلى الله عليه وسلم وامتنان الله عليه بالشرح ووضع الوزر وتبشيره بانفراج الأمور وانقلابها من عسر وخوف إلى يسر و أمان. فهي أشبه في ذكر السراء ولوازمها بسورة قريش.
وفي سورة العلق ذكر طغيان أبي جهل وناديه ونهيه المؤمنين عن العبادة في المسجد الحرام وتكذيبه وتوليه ومصيره النكد وسفع ناصيته ...
فهي أشبه في ذكر الضراء والتنكيل بالمؤمنين بسورة البروج.
فسورة التين وسط بين هاتين السورتين أيضًا، فيها ما يشرح صور المؤمنين ويقمع السفلة من الكائدين.
= قرأ عمر بن الخطاب في صلاته يومًا وهو في مكة بـ التين والزيتون في الركعة الأولى، وفي الثانية بالفيل وقريش؛ يرفع صوته تعظيمًا للبيت!.
(يُتْبَعُ)