وفي قوله سبحانه:"الرفث إلى نسائكم"الإشارة إلى أن المحرم على الصائم إنما هو الإفضاء إلى المرأة بالجماع لا ما دونه. كيف؟
لفظ الرفث يدل على الجماع وعلى دواعيه، ولم يقل: الرفث بنسائكم وهو الشائع في الاستعمال، وإنما عداه بـ (إلى) ليتضمن معنى الإفضاء.
وفي قوله سبحانه:"هن لباس لكم وأنتم لباس لهن"الدليل الصريح على جواز معاشرة الرجل زوجه على كل وجه تحصل به المُلابسة .. إلاّ ما خصه الدليل.
وفي قوله سبحانه:"هن لباس لكم"التقعيد لأهل الإيمان أن يتأدبوا في التلفظ فيما لا يحسن ذكره.
وفي قوله سبحانه:"تختانون أنفسكم"الإشارة إلى أن المعاصي يعود ضررها على صاحبها لا على غيره، نسب الله الخيانة هنا إلى نفس العاصي لا إلى غيره.
وفي قوله سبحانه:"وابتغوا ما كتب الله لكم"تحريض على مُباشرة النساء بقصد طلب الولد وحصول الإعفاف. وفيه الإشارة إلى قاعدة دينية نافعة وهي: ابتغاء المصالح الدينية من وراء مزاولة الأعمال الدنيوية واللذائذ الوقتية.
وفي قوله سبحانه:"وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر"دليل على استحباب السحور، ودليل على استحباب تأخيره إلى ذلك الوقت.
وفي قوله سبحانه:"من الفجر"دليل على أن مَن طلع عليه الفجر وهو جُنب لم يُبطل صومه بل يغتسل ويُصلي.
وفي قوله سبحانه:"ثم أتموا الصيام إلى الليل"الإشارة إلى أن مُنتهى الصوم في الشريعة هو الليل.
وفرعوا عليه: أن الصائم يُفطر بمجرد غروب الشمس أكل أو لم يأكل، قال ابن العربي - رحمه الله: وقد سُئل الإمام أبو إسحاق الشيرازي عن رجل حلف بالطلاق ثلاثًا أنه لا يفطر على حار ولا بارد. فأجاب: أنه بغروب الشمس يفطر ولا شيء عليه.
وفي قوله سبحانه:"إلى الليل"النهي عن مواصلة الصوم في الليل. كيف؟ جعلت الآية نهاية الصوم هو الليل.
وفي قوله سبحانه:"وأنتم عاكفون في المساجد"أدل دليل على مشروعية الاعتكاف في كل مسجد، وأنه لا يختص بمسجد دون مسجد وليس في السنة الصحيحة تخصيص.
الحلقة السابعة والعشرون:
قال تعالى:"ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون".
في قول سبحانه:"ولا تأكلوا أموالكم"الإشارة إلى الأخوة الإيمانية، وإلى أن عصمة مال الغير كعصمة مال النفس، فهو يتضمن أن آكل مال غيره كآكل مال نفسه بالباطل. وعبر عن الائتلاف بالأكل. لماذا؟
لأنه هو أهم الحوائج، ولأن به يحصل إتلاف المال غالبًا.
وقوله سبحانه"بالباطل"أُستدل به على تحريم كل معاملة ليست بحق. قال القرطبي: هذه الآية متمسك كل مؤالف ومخالف في كل حكم يدّعونه لأنفسهم بأنه لا يجوز فجوابه أن يُقال: لا نسلم بأنه باطل حتى تثبته بالدليل. انتهى. كيف يُثبت كونه باطلًا بالدليل؟ الباطل في المعاملات على أوجه ثلاثة:
الأول: ما يعلم جميع المستمعين أنه باطل كالغصب والسرقة.
الثاني: ما حكم الشرع بأنه باطل، ويخفى كونه باطلا عند أكثر المستمعين، مثل كثير من أنواع الربا.
الثالث: ما استنبطه العلماء وألحقوه بالباطل في الشرع، فهذا لا يستدل عليه بمجرد ذكر الباطل من الآية، بل لابد من الدليل على كونه باطلًا بعينه.
وفي قوله سبحانه:"وتُدلوا بها إلى الحكام"أُستُنبط منه أن حكم الحاكم لا يُحلل حرامًا وأن مَن حكم له القاضي بشيء مستدلا في حكمه على باطل كنحو شهادة زور أو يمين فجور فلا يُحلل له ذلك، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على ما أسمع فمَن قُضي له من أخيه بشيء فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار".
وفي قوله سبحانه:"يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج"الإشارة إلى أن الإحرام بالحج لا يُشرع في غير أوقاته، لو كن مشروعًا في كل وقت لما احتيج إلى معرفة الأهلة في توقيته، إنما احتيج لكونه خاصًا بأشهر معلومة متميزة لا في كل وقت لا يقع في غيرها.
ومن اللطائف: أن يُعكس الاستدلال فيُقال: دلت الآية على جواز الإحرام بالحج في كل وقت، و (هي) ضمير يعود على جميع الأهلة وجميع الشهور وهذا قال به طائفة، والأول هو الأقوى. لماذا؟
لأنه هو ظاهر الآية المتبادر إلى الفهم، وأن التفسير الثاني يضعف معنى الآية الكريمة ويُبطل فائدة التخصيص فيها.
(يُتْبَعُ)