يقول الله تعالى:"وقالوا لن يدخل الجنة إلاّ من كان هودًا أو نصارى"يحكي الله مقالة اليهود والنصارى، ثم رد عليهم سبحانه فقال:"تلك أمانيهم".
أي هي مجرد أماني، وهاهنا نكتة بلاغية: جمع لفظ (الأماني) مع أن ما أُشير إليه أمنية واحدة، لماذا؟
قال صاحب الانتصاف: ليُفيد جمعها أنها متأكدة في قلوبهم، بالغة منهم كل مبلغ. وقال غيره: ليدل على تردد الأمنية في نفوسهم مرة بعد مرة.
قال أهل اللغة: الجمع هنا يدل على الزيادة وعلى التأكيد، والجمع يُفيد بوضعه الزيادة في الآحاد، فينتقل هنا إلى تأكيد الواحد، وإلى إبانة زيادته على نظرائه.
وقوله:"قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"هي أيضًا رد على دعواهم السالفة، وإبطال لمقولتهم الفاسدة، والتأكيد على أنها مقولة مُجردة عن البرهان.
وقد أشارت الآية إلى أصول النظر والمُحاجة، وإلى تقعيد الأدلة والبينات.
فهذه الآية دلت على بطلان القول بغير علم ولا برهان، قال في الكشاف: هذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وأن كل قول لا دليل عليه فهو غير ثابت.
واستُنبط منها قاعدتان في أصول النظر: الأولى، إثبات حجية النظر، والرد على مَن ينفيه. والثانية، مُطالبة المُدعي بالدليل والبرهان، نفيًا وإثباتًا.
وفي قوله سبحانه:"بلى مَن أسلم وجهه لله وهو محسن"الإشارة إلى سر قبول الأعمال عند الله، وهو توافر شرطين: الأول: الإخلاص وأشار إليه بقوله:"أسلم وجهه لله"أي أخلص توجهه وقصده.
والشرط الثاني: الموافقة لهديه صلى الله عليه وآله وسلم وسنته، وأشار إليه بقوله:"وهو مُحسن"أي مُحسن في عمله.
وفي قوله تعالى:"كذلك قال الذين لا يعلمون"النعي على أهل الكتاب، وأنهم والمشركون الذين لا يعلمون سواء، كأنه يقول لهم: من المُفترض أن يُميزكم العلم، ومن المُفترض ألاّ تكونوا وأنتم أهل كتاب كمَن لا كتاب لهم ولا علم لديهم.
وفي قوله تعالى:"ومَن أظلم ممن منع مساجد الله"فوائد:
الأولى: الإشارة إلى أن منع الذكر في مساجد الله هو أعظم الظلم، قال العلماء:"مَن أظلم"أي: لا أحد أظلم منه.
ويتفرع عن هذا الإشارة إلى أن الأصل هو جواز الذكر في المسجد في جميع الأوقات، وأنه لا يجوز منع الذكر فيه إلاّ بدليل يصلح لإخراجه من العموم.
الفائدة الثانية: استُدل بالآية على حُرمة منع المرأة من الحج إذا كانت صرورة - أي لم يسبق لها الحج - استدلوا بها أيضًا على عدم منع المرأة من حضور المساجد لصلاة الجماعة، ولِسماع الموعظة؛ إذا لم يخف الفتنة منها أو عليها.
الفائدة الثالثة: قال القرطبي رحمه الله: دلت الآية على تعظيم أمر الصلاة، وأنها لما كانت أفضل الأعمال كان منعها أعظم الآثام.
وفي قوله تعالى:"أن يُذكر فيها اسمه"الإشارة إلى أن المساجد إنما وُضعت للذكر والعبادة والصلاة، ويتفرع عنه: النهي عن كل ما ليس من الذكر، كإيقاع البيع والشراء والإجارة وإنشاد الضالة، وغيرها من أعمال الدنيا المحضة.
وقوله: (ما كان لهم أن يدخلوها إلاّ خائفين (إرشاد المؤمنين إلى حماية بيوت الله من الكافرين، وأن يجعلوهم بحالة إذا أرادوا الدخول كانوا على وجل وخوف من أن يفطن لهم أحد من المسلمين فيُنزلون بهم الأذى والإذلال.
ويتفرع عن هذا الإرشاد: إرشاد المسلمين إلى العزة والقوة، وإلى المحافظة على مُقدساتهم، وإلى حماية شعائرهم، وتطهيرها من تدنيس المشركين من يهود ونصارى وثنيين وغيرهم.
وفي قوله سبحانه:"وقالوا اتخذ الله ولدًا"لطائف وفوائد:
الأولى: في لفظ (اتخذ) الإشارة إلى بطلان قولهم وتناقضهم؛ لأن الولد لا يُتخَذ ولا يُصنع، ولكن يحصل بالولدية والمُجانسة، كما في قوله سبحانه:"أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة".
الفائدة الثانية: استدل بها بعض الفقهاء على أن مَن مَلَكَ ولده أُعتِقَ عليه؛ لأن الله تعالى نفى الولدية بإثبات العبودية، فدل ذلك على تنافي الماهيتين، وهو استرواح حسن.
الفائدة الثالثة: ويتفرع من الفوائد: الإرشاد إلى حُسن تربية الأولاد، وأن الولد لا يُعامل كما يُعامل العبد، ولا يخضع كخضوع العبد فإن هذا يتنافى مع الولدية، وهو أيضًا يتنافى مع التربية السليمة وغرس الشخصية والعزيمة.
(يُتْبَعُ)