فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 22333 من 53113

وقال الله سبحانه:"أنعمت عليهم"الإنعام إيصال النعمة، والإنعام لا يُطلق على غير ابن آدم، ولا يُسمى إيصال النعمة إلى البهائم إنعام، لا نقول: أنعمتُ على الحمار، أو على الفرس، ولكن على بني آدم، قال تعالى:"وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه".

قال هنا:"أنعمت عليهم"بالضمير الصريح، وهذا في حق المهتدين، في بيان الفضل، وقال بعدها:"المغضوب عليهم"وقال:"الضالين"لماذا؟

هذا لأجل الأدب مع الله، من حُسن خطاب المولى سبحانه: في حال الخير يُنسب القدر إليه، وينسب الفعل إلى الله، وفي حال الشر وفي حال الضر ينسبه إلى المخلوق، هذه السنة لا ننفي أن الله لم يُقدره ولكن من حُسن الأدب.

ولهذا قال العلماء: من حُسن أدب الجن المؤمنين أنهم قالوا:"وأنا لا ندري أشر أُريد بمن في الأرض"هذا بدون نسبة، وقالوا:"أم أراد بهم ربهم رشدًا"فنُسب الخير والرشد إلى الله، وهكذا هنا.

قال:"غير المغضوب عليهم"وقال:"ولا الضالين"مَن هم المغضوب عليهم؟ ومَن هم الضالون؟

المغضوب عليهم مَن استوجبوا غضب الرب سبحانه، والضال هو الذي خطئ الطريق الصحيح، وعلى رأس المغضوب عليهم اليهود، وعلى رأس الضالين النصارى. قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى:"غير المغضوب عليهم"قال: (هم اليهود) ، و"لا الضالين"قال: (هم النصارى) .

قال العلماء: لا يُقصد بهذا الحصر، لكن اليهود من المغضوب عليهم والنصارى من الضالين. والسبب أن اليهود عرفوا الحق فكتموه ولم يعملوا به؛ فاستحقوا غضب الله، والنصارى جهلوا الحق وضيعوه وعملوا بغير علم؛ فاستجوبوا الضلال والخروج عن الصراط.

ولهذا علينا أن نتنبه، علينا ألا نتشبه بهم، علينا أن نعرف الحق وأن نعمل به، عرفنا هذا من الآية الكريمة.

إذًا من فوائد الآية: أنها أوجبت علينا أن نتعلم حتى لا نكون ضالين، وأوجبت علينا أن نتعبد حتى لا نكون مغضوبًا عليهم، أوجبت علينا أن نعلَم وأن نعمل حتى نكون من الذين أنعم الله عليهم، وأن نكون على الصراط المستقيم.

قال الله تعالى:"ولا الضالين"ولم يقل: والضالين. يعني أضاف كلمة: (لا) .

قال العلماء إضافة كلمة (لا) هنا لها فوائد:

منها: أنها تدل على التأكيد، أي تأكيد انحراف الضالين عن أصحاب الصراط المستقيم، الذين أنعم الله عليهم، لنعلم أن لفظ"الضالين"ليس معطوفًا على الذين أنعمت عليهم.

ومنها: أن نعلم أن الضالين فرقة مستقلة، ليست داخلة في فرقة المغضوب عليهم.

ومنها: لئلا يتوهم متوهم أن المقصد هو الجمع بين الغضب والضلال، لتعلم أن المغضوب عليهم منحرفون، وأن الضالين منحرفون، يعني يتحقق التحذير والانحراف منهم مجتمعين ومتفرقين.

الآية الكريمة تدلنا على أن الدين هو أعظم النعم. كيف؟

قال:"أنعمت عليهم"لفظ عام ثم حدد فقال"غير المغضوب عليهم ولا الضالين"يعني كأنه سلب عن المغضوب عليهم وعن الضالين كل نعمة، كأنه أخرجهم من كل نعمة. لماذا؟ لأن مَن فقد نعمة الدين كأنه لا نعمة عنده ألبته.

الآية الكريمة تدلنا على أن أصحاب الصراط المستقيم في غاية الانشراح في غاية الانبساط في غاية التلذذ. كيف؟

قال:"اهدنا الصراط المستقيم"ثم وصفهم وحددهم بقوله:"الذين أنعمت عليهم"قال: أنعمت عليهم بصفة العموم، وهذه تدخل فيها النعمة في الدنيا، وتدخل فيها معنى النعمة في اللغة، النعمة في كلام العرب: الحالة التي يستلذها الإنسان، ويهنأ بها.

وهذا المعنى يوافق قول الحق سبحانه:"ومَن عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنُحيينه حياة طيبة (أي في الدنيا) ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (أي في الآخرة) ".

في الآية الكريمة إثبات صفة الغضب لله سبحانه، إثبات هذه الصفة على ما يليق بجلاله سبحانه، فلا نقول: إن غضبه كغضب البشر، ولا نقول: إن الغضب لله لا يليق به. أو أن نقول: معناه الانتقام، هذا تغيير لمعنى كلام الله، ويرده كلام الله، قال تعالى: فلما آسفونا (أي أغضبونا) انتقمنا منهم"، انظر رعاكَ الله كيف فرَّق الله بين المعنيين. ورتب الثاني على الأول، وهذا التفريق يدلنا على الاختلاف في المعنى."

قال الله تعالى:"الضالين"ولم يقل: المُضلين؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت